سأحدثكم عن حُسام...

ربى عبد

ربى عبد

رضا تشعر بالرضا، بتاريخ نشرت

من المهارات المكتسبة التي يكتسبها المعلمين بغض النظر عن المادة المُقررة التي يدرسونها، هي القدرة على تشبيه الطلاب بسرعة و اكتشاف العلاقات الأسرية بينهم، من خلال التشابه الشكلي الظاهر أو السلوك، أو حتى أن تتنبأ ببعض القدرات لدى الطلبة، أو المستوى الإقتصادي أو التعليمي للأهل.

في الأسبوعين الأوليين من أي عام دراسي جديد تكون التحديات على أشُدها خاصةً إذا كان هذا الصف من الصفوف التي ستتعامل معها للمرة الأولى، في الأسبوع الأول بمجرد ذكر اسم عائلة حُسام، تكهنت بما أنا بصدده. فالعائلة التي ينحدر منها تتميز ببساطة العيش اقتصادياً و اجتماعياً و أكاديمياً، فلم أجد ضرورة للنظر في ملف الطالب خاصته، فقد بدأت مشاكلي معه باكراً جداً.

مادة الفنون و الحرف من المواد التي تلاقي مقاومة شديدة من الذكور باختلاف أعمارهم، فالأغلب منهم يرى أنها لا فائدة لها أو أن المواد الأكاديمية الأخرى أكثر أهمية، الوضع هنا يزداد سوءاً عندما تتعامل مع طفل يسبق جيله بسبب كثرة المسؤوليات الملقاة على عاتقه، حيث تغدو المدرسة برُمتها مجرد مرحلة و السلام، فما بالك بمادة كالفنون الجميلة؟

قي كل حصة كان حسام من أكثر الطلاب شغباً و عدم تجاوباً مع أي موضوع أقترحه فهو يلهو مع زملائه ، بالكاد يجلس حتى في مقعده أو ينتبه إلى أي شيء.

و بدايةً، عاملته بحزم و الكثير من الشدة، و كونه من الطلاب الذين أتعامل معهم لأول مرة كان حتاماً علي أن أنوّع في الأساليب التي أنتهجها معه حتى أعرف كيف أصل إليه.

الحزم لم يجد نغعاً إطلاقاً ، ولا حتى تقييمه بأقل علامات لقلة التزامه و تربيته، إلى أن قررت أن أغير أسلوبي معه، ففي حصة من الحصص التي كتت أعطيها له، لم يقم بأي شيء مما طلب، و لكنه كان أهدأ بقليل مما هو عليه، جلست بجانبه و شكرته على سلوكه، و قبل نهاية الحصة شكرته علناً أمام جميع الطلاب، مما جعل عشرين زوجاً من العيون ينظروا إليه و كأنه قام بأول عمل صائب في حياته!

الحصة التالية بدأت أجني ما أردت، فقد كان حُسام هادئ جداً، و التفت لكل شيء قلته و تفاعل معي و طرح الأسئلة حتى، جلست بجانبه و طلبت منه أن يرسم أي شيء يريده، و أنني سأعقد معه اتفاقاً بتغيير جميع العلامات السابقة إذا هو التزم معي.

و يا لسعادتي حين جلس و باشر العمل على أول رسمة له منذ ثلاثة أسابيع، رغم بساطة مفاهيمه، و أدواته و أسلوبه إلا أنه أبدى تجاوباً رائعاً و عكس الواقع الذي يعيشه كطفل يرضخ تحت ضغط الإحتلال، و لك فقط أن تتخيل كم يعني هذا عندما يكون أول شيء يعبّر عنه هو مشهد عنف.

لم أتسرع في أن أعلن انتصاري الصغير هنا، و لكن يبدو أنني بالنهاية قد غيرته حقاً للأفضل، فقد بدأ يقدّر الإلتزام و يعبّر عن نفسه من خلال أسلوبه و ينتظر الحصة التي أعطيها لهم، الأطفال مثل حُسام هم من يجعلوا مهنتي تستحق أن أستيقظ صباحاً و أعمل معهم ، لا شيء يعادل سعادة شخص استطاع أن يخفف من الضغط الذي يعيشه آخر لا حول له و لاقوة فيما يقاسيه.


التعليقات

  • Ms-nona

    جميل ما فعلته معه اتمنى ان اصبح كذلك يوما..
    لازلت في السنة الثالثه من التربية الفنية وما زال بانتظاري التطبيق العملي ولم اتخيل يوما ان اصبح معلمة ومتخوفة من هذا النوع من الطلاب..
    1
    • ربى عبد

      لا تخافي التربية حقا ليست سهلة و لكن مع ذلك أضمن لك انك ستستمتعين جدا.
      هل يوجد تدريب عملي لكم مع الطلاب قبل اجتياز الشهادة؟
      1
      • Ms-nona

        نعم لدينا لمدة 4 أشهر تقريبا
        1
        • ربى عبد

          فترة جيدة لتتدربي، اطلبي من مدربتك أن تعطيكي الفرصة لإعطاء حصص كاملة دون تدخلها و من ثم تقييمك و لفت نظرك للأخطاء التي من الممكن ان تقع.
          1
  • أحمد عابدين

    ما شاء الله، لديكم بال طويل مع الأطفال 😅
    هنيئًا لكم أنهم سيذكرونكم بالخير 🙂
    @Zomorroda
    1
    • زمردة

      لست راضية جدًا، بتجربتي، بالرغم من انجازاتي الظاهرية معهم، ولكنني لم اتوقع ان استخدم بعض الاساليب الحازمة🙄
      طبعًا لم اصل ابدًا للاهانة او الضرب، ولكن كان هناك حزم او مسافة، لدرجة انهن لم يعرفن اسمي إلا في الشهر الثاني من التدريس🙃💔
      1
      • أحمد عابدين

        كورس واحد ليس كفيلًا بأن يغير تفكير شخص 180 درجة، ولا حتى عام دراسي كامل، في النهاية هي حصة واحدة ضمن يوم ممتلئ في منتصف أسبوع حافل. المهم أنك جعلتيها تتذوق طعم التفوق والنجاح، وفي النهاية إن كانت تريد المواصلة به فستعلم أن عليها تغيير أساليبها.
        1
      • أحمد عابدين

        بالإضافة إلى أن وجود مسافة بين المعلم والطالب أمر ضروري بغض النظر عن كون الطالب مثالي أم مشاغب. حتى أفضل الطلاب قد يتعدى حدوده إن أحس بالحرية المطلقة في التعامل مع معلمه.
        1
        • زمردة

          شكرًا هذا يُشعرني بالراحه اكثر، في الواقع كنت ألقاهن مرة واحدة في الاسبوع، لذلك كان الامر صعبًا.. بذلت ما بوسعي، وارضتني كلمة شكرًا منهن، او نحبك استاذة 😢
          0
          • أحمد عابدين

            حقًا عليك التخفيف عن نفسك. واجبك كان أن يتعلمن "الرسوم المتحركة والأفلام" ومن الواضح أنك ذهبتي أبعد من ذلك في حين لم يكن هناك ما يلزمك بذلك. إن كنّ واعيات لمصلحتهن فعليهن أن يكن ممتنات للجهد الذي بذلتِه، وإلّا فقد أديتي ما عليك وبزيادة وبرأتي ذمتك.
            1
            • زمردة

              صحيح ذهبت ابعد من ذلك، لكنهن في حاجة إلى اشياء انسانية اهم بكثير من المهارات الدراسية، إن لم اتعامل مع بعض المشكلات فلن تتعلم الطالبة مهما حاولت، وستسمر حلقة مشكلتها إلى أن تضغط معلمة على نفسها وتضحي بشيء من المنهج حتى تحل المشكلة الاساسية في الطالبة.. مازلن صغيرات، لسن على وعي طلاب الجامعة، لن اتركهن لطيشهن..
              فقط اتمسك بالتعب والجهد الهائل الذي واجهته وبذلته تلك الفترة ليشفع لي بعض التقصير ! انا متأكدة انهن ممتنات، ولكنهن طائشات حقًا!
              جزاك الله خيراً احمد 😊🙏
              1
  • زمردة

    تحمّست لاتحدث عن تجربتي كمعلمة، في الواقع تلقيت تدريبًا ولكنه يختلف عن تدريب المعلمين، فقد كنت ادرّس الطلاب، وادرّب المعلمين احيانًا🤕💔
    المهم تعاملت مع طالبات الصف الثامن، وكان لابد عليّ ان اتعامل مع بعض الطالبات اللاتي يعدن السنة، ولاحظت ان هناك فتاة لن تترك اي حصة تمشي بسلام💔
    هي لاتعاني من ضغوط عائلية، فقط تحب التمنر، ويتم قمعها بدل من حل المشكلة، ولديها عصابة في الصف، المهم الطالبة ن لا تحب ان تدرس "الرسوم المتحركة، والافلام" وهذا ما قمت بتدريسه، بل كانت حانقة جدًا🙄، اعتقد انه من عنوان الوحدة ظنّت انها ستجلس مع علبة فشار وتتفرج على افلام😂، فكان عليّ ان اساعدها كثيرًا في التطبيق العملي على الحاسوب لتمر بأي تجربة نجاح، في الواقع الشيء الوحيد الذي قامت به هو حفظ الملف 😂، ولكنني كدت ان ادعوهن لعزيمة في الصف، في الواقع كان هدفي هو ان تحصل على جائزة "المعلم الصغير" في هذه الحصة..
    مرّت سبعة اسابيع، و ن تحصل على جائزة "المعلم الصغير" وبجدارة، وخففت عني حمل تأديب عصابتها في الحصة😂💔
    وبل لأول مرة ابدعت في حل الاختبار النظري! لدرجة انها استحقت التكريم، وواجهت صعوبة حتى تقتنع المديرة بتكريمها واخذ صورة معها، بسبب سجلّها الاسود الذي علمت به متأخرة!
    2
  • زمردة

    😭 اعلم جيداً ذاك الشعور الذي يختلجك عندما ترين اثر ما تقومين به على الطلاب..
    لن ينساكِ حسام، وستكون لكِ بصمة في مستقبل حياته...
    0
  • طارق ناصر

    ذكرتني بفيلم إيشان. على أي أسلوبك جد جميل، انت حببت له المادة فأصبح يتجاوب مع حصتك.
    مهنة التعليم ممتعة وفي نفس الوقت متعبة.. بالتوفيق لك ربى.
    0

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق