ماذا يعني أن تكون فقيرا ؟

ساري التهامي

ساري التهامي

بتاريخ نشرت


ثلاثة عشر عاما هي عمر حياتي الزوجية ، هذا الرقم بالذات ( والمتغير كل سنة ) لا أتذكره إلا في مناسبة واحدة وهي ( عيد الأضحى )!

لماذا عيد الأضحى بالذات ؟؟

ثلاثة عشر عاما هذه  تعني ثلاثة عشر طعنة وصلت حتى الآن  في صدري تتكرر كل عام وسببها سؤال أو (سهم ) يخترق صدري عند حلول هذه المناسبة ، عندما يأتيك ذاك السؤال أو السهم : هل اشتريت أضحية ؟ هل ضحيت ؟ والسؤال الأشد مضضا : متى سنضحي مثل الناس ؟

هذا السؤال الأخير أشد وقعا وإيلاما في صدري وأكثرها طعنا في كياني وذاتي وكل مشاعري وأحاسيسي ..

يسألوني هل ضحيت ..فأجيب في كتمان : بل أنا الذي أصبحت ضحية من أسئلتكم هذه  !!

أقف عاري الصدر أمام جميع تلك الأسئلة فقد أصبحت معتادا على تكرارها كل عام أستعد لها بجواب طويل وعريض ومسهب وهو ( الصمت ) بينما تخترق تلك السؤالات ( السهام ) صدري لتنفذ إلى لا شئ سوى أن تستقر في صدري وتتراكم مع السنوات ويزداد الألم إيلاما لأعلن هنا أني أصرخ ، أبوح ، أخرج بعضا من تلك السهام على شكل أحرف ،  أشكل منها كلمات تقول : هذا بعض من حياة وذكريات ( فقير ) !

أتأمل دائما في حياة المتسولين داخل المساجد وبالذات الذين يجهرون بفقرهم وحاجتهم ويقفون بعد كل صلاة ويتلون أوراد معاناتهم كل يوم على المصلين ..أتأمل حالهم وأقول كيف استطاعوا أن يكسروا حاجز ( العيب ) و الحياء والخجل ليسألوا الناس ؟

يبدو أنها تفاعلات كيميائية وحيوية تشكلت مع أيام ( الفقر) لتتحول إلى (انفجار) يتشكل على هيئة كلام مفاده : ( أنا أعاني ) ( أنا محتاج )

لا أدري هل الجميع صادق في ذلك ..لكن بالتأكيد أن الصادق منهم مر على جميع تلك المراحل ووصل إلى فوهة البركان 


أحلام وردية كثيرة قمت بزرعها في خيالي منذ أعوام ، ومازلت أتعاهدها يوما بعد يوم وأزرع معها غيرها ..كنت أنظر لمن حولي في عالم الفقر وأقول لماذا لا يستمتع كل هؤلاء مثلي بأحلام وآمال تجلب لهم السعادة ؟ لماذا استسلموا للفقر ورضوا أن يعيشوا تحت سلطته وقانونه ، كنت أنظر إليهم وأبتسم للغد وأن حدائق أحلامي ستثمر غدا وأتلذذ بثمارها ، التركيز بالنظر إلى ذلك الغد ( المجهول ) جعلني أنسى واقعي وأسير في دروب ذلك الغد الذي صنعته بنفسي وأبحر من شاطئه ليدخل بي إلى عمق بحره المتلاطم ..لأفيق فجأة وأنا على ساحله مجردا من كل شئ ، حتى من أحلامي الوردية التي رافقتني لسنوات !!

انتبهت أخيرا وبعد هذا المشوار الطويل من الزمن أنني لست ذلك الشخص الذي تقمصته وأن قناعات بدأت تنساب إلى عقلي تقول لي كن كما أنت ، أنت لست ذلك الخيال الذي نسجته ، عليك أن ترضى بذاتك وبقدرك ...

حقيقة وجدت صعوبة بالغة في أن أغير من قناعاتي عن نفسي وحزنت كثيرا على أحلامي التي رحلت عني دون أن أرى واحدة منها على الواقع ، بين اغتصاب الرضا بالواقع وبين البكاء على أحلامي وجدتني أعيش في طور جديد من حياتي ....أستحي أن أسميه  ( حياة الفقراء) مازالت ذاتي بكبريائها أن يمر عليها ذلك دون أن تقاومه ، لكن الحقيقة الناصعة أنني منذ خلقت وأنا ( .....) !! ( حتى هنا لم أستطع كتابتها ) 

حسنا ..سأرضخ أخيرا للواقع وللحال وللحقيقة التي لم تتغير منذ نشأتي ، سأصرخ اليوم لا عن شكاية ولكن عن حكاية ، حكاية اكتشفتها أخيرا ، حكاية ترعرعت معي ، صنعتها الأيام دون حسبان مني ، لم أكن أتوقع أن أقف اليوم وأنا أراها شامخة أمامي لتحوي جيلا من حياتي وذكرياتي وآلامي ، إنها حكاية ليست من نسج الخيال ..

وإن كنت أتأسف علي شئ فإني أتأسف أني لم أكن أسجل تلك الحكايات التي مررت بها لظني أنها أيام ثم يتبدل الحال وأعانق أحلامي يوما ما 

لكني سأكتب عن شئ من الذاكرة لبعض تلك الحكايات والأيام ...


هنا سأمارس بعض ( البوح ) والتوسعة على الخاطر والتخفيف عن النفس بالتنفيس عما فيها عبر الكتابة ..لأكتب عن 

( ذكريات فقير ) 

وهي التدوينة التالية ...فانتظرونا ...


" ساري التهامي " 


التعليقات

  • عبق

    لا تستحي من الفقر الفقر ليس عيبا فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان فقيرا ،،،اسأل الله ان يفتح لك ابواب الرزق انه على ذلك قدير
    0
  • SooMaa

    أحسست بأن كلماتك يلفظها جرحٌ عميق جداً قد يكون الفقر من غز بِهِ سكينته!!
    كان الله بعونك
    0

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق