ذكريات فقير (1) : أنا وصاحب المحطة

ذكريات فقير (1) : أنا وصاحب المحطة

ساري التهامي

ساري التهامي

بتاريخ نشرت


في أحد النهارات خرجت من عملي وامتطيت سيارتي عائدا للبيت ،، لكن ـ وكالمعتاد ـ كان مؤشر الوقود منخفض جدا ، وعلامة التنبيه تنبض باللون الأحمر ، في الواقع أنني معتاد جدا على هذا اللون ( ولي معه حكايات أخرى ) ..لكن هذه المرة وصل إلى الحد الأدنى وبدأ القلق ينتابني خشية أن تتعطل سيارتي بمنتصف الطريق ..

بالطبع لم يكن في جيبي إلا بضعة  كروت بلاستيكية   عبارة  بطاقة صراف عديمة الفائدة وبعض الإثباتات الشخصية الرسمية ..ولا شئ سوى ذلك 

مشيت وأنا ملتحف بالهم والقلق ولا أدري إلى أين أتجه في هذه الساعة من النهار ، أريد البيت ولكن الوصول إليه صار شبه مستحيل والحالة هذه نظرا لبعد المسافة وخوفي من أصبح معلقا في منتصف الطريق ، لا سيارة أستطيع الاستفادة منها ولا أملك حتى قيمة التاكسي !!!

لم أشعر إلا وأنا أوقف سيارتي عند أحد محطات البنزين في شارع الأمير سلطان ، وبعد انتزاع الكلمات من جوف حلقي كانتزاع الروح ..قلت وبصوت خافت لعامل المحطة البنقالي : ( صديق عبي ب 5 ريال وأعطيك بعدين !!!)

يالله ما أقساها إنها أشبه بعملية انتحارية تفقدك كل شئ من روح وجسد ..أن أعيش هذه اللحظة التي أتوسل فيها لعامل محطة وأظل تحت رحمته ..!!

بالطبع عبس في وجهي وقال ....( لا ) ...بالصوت والحركة ، وبجفاء أيضا ..!!

ضاقت على الأرض بما رحبت ـ وهي ضائقة قبل ذلك ـ أقسمت أن لا أكرر هذه التجربة ماحييت ..فقد كانت بضعة ثوان ، لكنها اخترمت من كينونتي سنوات عديدة وهدت كل كياني ومشاعري حتى طرحتني كخرقة بالية تم رميها بالشارع ...وياللبؤس !!!

لم يعد يلوح أمامي في الأفق أي شئ أن ينتشلني من هذا القاع الذي سقطت فيه ، عبرت شوارع كثيرة مع تلك القائلة من حيث لا أشعر حتى وصلت إلى حي الحمرا ، لم أعد أحتمل نفسي ولم تعد هي تحتملني ، وجدتني أمر بجوار مسجد الأمير سلمان ( هذا كان اسمه آنذاك ) دخلت المسجد وحمدت الله أنه كان مفتوحا في تلك الساعة من النهار وشدة الحر ..أتذكر أني رمت روحي كما جسدي هناك ..وأتذكر أني قرأت سورة يوسف كاملة وبالكاد أرى أسطر الآيات فقد كانت عيناي مبتلتان بالعبرات المحبوسة فقد كنت في حالة بين البكاء وبين النشيج لكني تصابرت أن أظهر كل تلك المشاعر ...

مكثت إلى صلاة العصر ..وبعد الصلاة همت على وجهي فإذا بي أجدني في حي بني مالك ..ولا ح لي مجموعة كبيرة من الباكستانيين على جانب الطريق يقفون ومعهم معدات بناء ما خف منها وماثقل ..وكان هذا بمثابة الفرج الكبير .

: (صديق فين يروح ؟) 

: حي البوادي 

: طيب يلا اركب 

: كم ؟؟

: عشر ريال ( وضعت هذه القيمة مع أن المشوار يستحق أكثر من ذلك حتى لا أخسرهم ويذهبون مع غيري ) 

وفعلا تم فتح جميع أبواب السيارة بما فيها الشنطة الخلفية ..وبعد لحظات تحولت سيارتي الصغيرة إلى مستعمرة بين بشر ومعدات وحديد !!

إذا لم تكن إلا الأسنة مركبا ..فما حلية المضطر إلا ركوبها 

...


التدوينة القادمة 

( في الطريق إلى الدوام ) 

....



التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق