ذكريات فقير (2) : في الطريق إلى العمل ..

ذكريات فقير (2) : في الطريق إلى العمل ..

ساري التهامي

ساري التهامي

بتاريخ نشرت


في أحد الصباحات خرجت من البيت ذاهبا للعمل ..وعندما أدرت محرك سيارتي ، قفزت أمام عيني تلك الإشارة الحمراء البئيسة والتي اعتادت على مصافحة عيني كلما أشغلت المحرك..

يالهذا الصباح !! 

الذهاب للعمل لايوجد معه خيار آخر إما الذهاب أو النوم أو البحث عن مشوار ..فقط يعني شيئا واحد لا غير ( الذهاب للعمل وللعمل فقط ) 

هنا كان القلق المصاحب من قبل يستدعي قلقا آخر جديدا ليصاحبه هو أيضا ..فالوصول للعمل والسيارة تلهث عطشا للبنزين سيكون موقفا محرجا للغاية ، لا الوصول لا العمل ولا الاستفادة من السيارة بل يعني العلوق بالطريق والتسبب في الزحام وتكدس السيارات وبالتالي سيكون الضرر متعديا لبقية خلق الله !!

أصبح الحل الوحيد في مثل هذه الحالة البحث الجاد عن أي زبون قبيل الذهاب للعمل ..

وبدأت عميلة التحري والبحث داخل الحواري ، وأخير ا ..رأيت أحدهم من بعيد وهو يقف على ناصية الطريق وبجوار أحد العمارات تحت الإنشاء اقتربت منه ، وكأني عثرت على كنز لما رأيته فعلا يمد يده أمامي في إشارة لطلب سيارة ( مشوار ) ..

بعد التفاوض معي قررت أن أوصله لمكانه ب(10ريال) وهو مبلغ كبير بالنسبة لي وأنا في تلك الحال ، ولا يمكن التفريط في مشوار كهذا ..

كان أحد الاخوة اليمنيين من العمال البنائين في العمائر ..وكان يلبس ثودا (أسودا ) ..لا يهم الوصف ولا دلالاته الآن !..

كل ما يهمني كان شيئين : الحصول على المبلغ و الوصول للعمل قبل التوقيع تحت الخط الأحمر !!

..وبعد وقت طويل كما هي المسافة ..وجدتني أغرق في دهاليز ( حي الثغر ) ، من شارع إلى شارع ومن زقاق إلى زقاق ومن يراني لايظن إطلاقا أن ورائي وظيفة أو عمل سوى أن وظيفتي التجول بين الشوارع والأزقة ..

وأخيرا ..وصل صاحبي إلى مكانه الذي يريد ..أوقفت السيارة ..بدأ يدخل كلتا يديه داخل جيوبه مرة أعلى ومرة أسفل ، كأنه يتفقد شيئا ثمينا ضاع منه 

وأخيرا أخرج محفظة من داخل جيبه وبدأ في تفتيشها  أخرج منها عدة أوراق ثم أعادها ، قلّبها مرة أخرى ..خرج من السيارة ..بدأ عملية تفتيش أخرى لجميع أجيابه ...ولكن ..

بعد جميع تلك المحاولات في البحث عن شئ ما ..وأنا أراقبه ...قال لي : لا أدري أين ذهبت النقود ! كان لدي مبلغ من المال لكني لم أجده الآن ..انتظرني سأدخل البيت وأحضر لك المبلغ ...!!!

دخل بيته ..وأنا قابع في سيارتي بانتظار تلك الـ(10) ريال التي ستكون ـ بالنسبة لي ـ ثروة كبيرة أقتات عليها أنا وسيارتي ..

مرت دقائق ودقائق أخرى وأنا مازلت منتظرا صاحبي ..

عشر دقائق تقريبا ..عندها وضحت الصورة أمامي تماما ، وعاد لي مشهد ذلك الشخص الذي أوصلته قبل سنوات إلى منزله في حي ( السبيل ) ثم تركني في السيارة على وعد أن يتحصل على مبلغ المشوار ثم يعود إليّ ..لكنها كانت خدعة !

اليوم تتكرر هذه الخدعة لكن في حال أصعب من تلك الحال السابقة ..ولله الأمر !

أدرت محرك سيارتي وأخرجتها من بين تلك الدهاليز وأنا أجر أذيال الإنهزام والحسرات والبؤس على صباح كهذا ، اقتطع من ذلك ( النصاب) لون ثوبه ( الأسود) وأضفاه على بقية يومي !!


التدوينة القادمة ( قصة الطرد ) 



التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق