ذكريات فقير (3) : قصة الطرد

ذكريات فقير (3) : قصة الطرد

ساري التهامي

ساري التهامي

بتاريخ نشرت

ذات يوم زار جدة أحد تجار مدينة الرياض وصادف أن التقيت به ، وعندما عاد للرياض تواصل معي وأخبرني أن له غرضا عند أحد تجار مدينة جدة من الحضارم وطلب مني أن أقوم بإرسال تلك الأغراض عبر البريد ...

أبديت الموافقة واتصلت على التاجر الحضرمي وأخبرته بالموضوع ، وفعلا جاءني للبيت ومعه ظرف فيه مجموعة أوراق وبعض أجهزة الجوال حديثة الصنع  ، وكانت تلك هي الأغراض التي تبرعت بالموافقة على إرسالها لتاجر الرياض ..

...

ومن هنا بدأت المعاناة ...

ذهبت للبريد السعودي فرفض استقبالها إلا بموجب فواتير لتلك الأجهزة ، لم أحب أن أتأخر في إرسالها لصاحبها ..تركت البريد السعودي وذهبت إلى شركة ( سمسا) ..

سمسا كانت جيدة استقبلوها وأخبروني أنها خلال 24 ستكون عند صاحبها بالرياض ...ولكن !!

طلبوا مني دفع مبلغ قرابة ( 170 ) ريال ..وهذا مالم أكن أملكه !!

وعندها عادت دوامة الهموم مرة أخرى ..فأنا لا أملك هذا المبلغ ..وصاحب الطرد يتصل علي : ماذا فعلت ؟؟!!

لا أخفيكم أن هذه الأيام بالذات كانت هي المفصل في حياتي ودخول أصناف الهموم والقلق إلى رأسي ..حتى عانيت منها فيما بعد ـ ولا زلات ـ ودخلت في عذابات نفسية لا يعلم قدرها إلا الله !

كلما اتصل صاحب الأغراض أتحجج إليه بموضوع الفواتير وأني أبحث عن شركة نقل لا تشترط الفواتير ..مع أني لوكنت أملك ذلك المبلغ كنت أرسلتها في حينها ووصلت صاحبها ..

ثلاثة أيام تقريبا وأنا أتجرع غصص هذه النازلة التي لأ أستطيع الفكاك منها ولا أملك حيلة في طريقة لتوصيل الأمانة لصاحبها ..

بقيت معي أياما داخل السيارة ، وأصبحت أبحث عن ركاب أقوم بتوصيلهم ( لأي مكان ) فقط لتوفير هذا المبلغ الذي أستطيع أن أرسل به الأمانة ..

وشاء الله أني لم أستطع أن أحصل على مرادي ، ولم أجد أي راكب ، فأصبحت بين نارين ..نار الأمانة التي معي ..ونار ( البنزين ) الذي أوشك على النفاد ( كعادته ) ..وبالتالي إما أن أوقف  السيارة ولا أستطيع إرسال الطرد ..أو أستمر في البحث عن ( زبون) ووقود السيارة لايكفي للبحث عن ذلك المجهول في شوارع جدة !!

إنها قطعة من آلام الفقر ..حين توكل إليك مهمة وتستحي أن ترفض فيتسلط على رقبتك سيف الحياء بكل مافيه من ألم وسيف الفقر الذي يجعلك مكبلا إلى عنقك ويعطل كل حواسك وتفكيرك ، سابحا في بحر الهموم والأحزان !

الجأتني هذه الضرورة إلى فكرة أخرى غير البحث بالسيارة   ..فكرة أن أقترض ، نعم أن أقترض !!

مع أن هذا الخيار بالنسبة لي أمر مذاقا من المر وأشد وجعا من السم ، لكني تجرعته للحاجة وللفكاك من تلك الأمانة ..

وجدتني مجردا من كل رداء للكبرياء بقي يستر شيئا من كياني ، وجدتني من حيث لا أشعر ولا أطيق ولا أتمنى أمزق طرفا من جلباب الحياء الذي ارتديته لأقف عاريا أمام (الهندي ) حارس العمارة !!!

: أحصل معك 100 ريال لآخر الشهر ؟؟

: نعم موجو 

ويخرج حارس العمارة من محفظته 100 أو 200 ريال ( لا أتذكر جيدا ) ويمدها إلي ..فأتواطئ بكل ما ملك من معان ومشاعر حتى أهوي إلى قاع ( اليد السفلى ) فأمد يدي إليه ، وأقبض على المبلغ !!!


( حارس العمارة هذا سيتكرر في حياتي كثيرا ..لأنه الشخص الوحيد الذي كشفت جلباب حيائي عنده ..وبات كالمحرم بالنسبة لي من تلك الساعة أستبيح عنده أن أنزع حيائي وأطلب منه ( سلفة ) إلى نهاية الشهر ...وهكذا دواليك ....فجزاه كل خير 

أحسست حين رأيت المبلغ وهو بحوزتي أني ملكت الدنيا كلها ..وطرت فرحا إلى مكتب البريد بحي البلد ( وأظن اسمه الحالي : واصل ) كملت جميع الإجراءات اللازمة ، وكان مبلغ الإرسالية فيما أذكر 70 ريالا ..

اتصلت بصاحبي على الفور وأخبرته أني أرسلت له الطرد وتأسفت على التأخير بسبب بعض الظروف ..

بعد يومين تقريبا أرسل لي رسالة يشكرني فيها على إرسال الأغراض وطلب مني إرسال رقم حسابي ...

رديت على شكره فقط ..وأني في الخدمة بأي وقت ..

أما جزئية الرسالة التي كتب فيها ( ارسل رقم حسابك ) فممرت عليها مرور الكرام وكأنها غير مكتوبة نهائيا ولم يرسلها ..

ومضت الأيام ..مع أن نفسي كانت ترادوني وتلح علي كثيرا أن أكتب إليه رسالة لا لشئ ولكن حتى يتذكر أني لم أرسل له رقم الحساب ..ولكن بقايا من جلباب الحياء وعزة من النفس حالت دون ذلك ...حتى مضت الأيام ودخلنا في دوامات أخرى ...ولله الحمد والمنة 

....


التدوينة التالية ( في محل الجوالات ) 


التعليقات

  • يوسف

    لما لم يرسل لك المال اولا ؟ حقا انصحك بقراءة كتاب كيف تقول لا
    0
    • محب روفائيل

      أرى أن الأخ ساري حساس زيادة عن اللزوم، أعتقدت في البداية أنه سيرسل الأمانة لوجه الله مجانا (أو هكذا طلب منه)! لكن طالما بمال، فربما كان الأجدر به طلب مال مسبق، ربما لم يستطع بسبب بروتوكول يقول (لن أدفع إلا بعد وصول الأمانة) و / أو بروتوكول آخر (يعني الأمانة والفلوس معاك، ماهو إنت كده ممكن تخلع ومحدش يشوفك تاني!!)
      1
  • عدنان الحاج علي

    وفقك الله ورزقك ويسر لك امرك.
    4

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق