كل الطرق تؤدي إليها

كل الطرق تؤدي إليها

عبد الله أحمد

عبد الله أحمد

بتاريخ نشرت

كان كل شيء مظلمًا ولا يوجد مخرج من تلك الظلمة، هجر النوم عيني لليالٍ طوال، ونزف قلبي حتى تحجر، كل ما يشغل تفكيري أن أجد طريقة توديعٍ مناسبة لهم، قررت ترك ذلك العالم بدون رجعة، كل ما أفعله هو الابتسام للجميع، وتنظر عيناي نظرة شفقةٍ ووداع. أعيشُ أسبوعيَ الأخير بدون أمل، اخترت طريقة انتحاري، وما أيسر اختيار طريقة سريعة للخروج من ذلك العالم.
 إلى أن رأيتُها!

تمرُّ من أماميَ الآن في مشهد يتوقف الزمان والمكان به، عدا مكانًا واحدًا به زلزال ألا وهو قلبي، لم أسمع ذلك الضجيج بداخله من قبل، شعرت برؤيتها أن هنالك سببًا للعيش، كأنها أنقذتني في اللحظة الأخيرة وأمسكت بيدي قبل سقوطي للأبد، وعيناها كانا شعاع النور الذي أضاء ظلمتي. صوتها هادئ، حركتها خافتة، عيناها واسعتان مبتسمةً دائمًا، وفي خدها حبٌ من المسك تزيُّنه شامةً سوداء وسط وجهها الأبيض، تكاد أن تكون غير بشرية.
كفرت بكل من قال أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش وحده، لكن بعد رؤيتها أقسمت أننا لم نُخلق إلا ليُنقذ بعضنا الآخر.
 وكانت خير من أنقذني!

انتهى شجارنا الحاد بابتسامة منها أضحكتني، وخرجْت منه خاسرًا كعادتي، الحقيقة أنني لا أطيق أن أراها خاسرة البتة في أي شيء، ولم أخبرها بعد عن ما بداخلي وأظن أنها لا تعلم شيئًا.
وكان الشجار بيننا في مُخيَّلتي فقط، فأنا أضعف من أن أتحدث إليها؛ خوفًا من أن تضيع من بين يديّ. كلما حاولت الاقتراب منها أجد شيئًا يمنعني، أو تصدني بطريقةٍ غير مباشرة، استحوذت على عقلي بطريقةٍ مرعبة، أراها كلُّ ليلةٍ في حلمي، إلى أن جائت اللحظة التي انفجرت فيها وأخبرتها بكل شيء، ورفضت رفضًا قاسيًا وكان ذلك في بداية الأمر. حاولت مرارًا وتكرارًا بكل الطرق وما زال الرفض عنوانها، وحينها قررت أن أحبها بيني وبين نفسي فقط، حتى بعثت لي برسالةٍ أحيَت به الأمل مرةً أخرى. وكان ذلك الأمل سبب قتلي في النهاية.

أربعة كراسٍ وكنبة، أجلس على الكرسيّ الخامس، ويجلس في الكرسي المقابل لي والدها صاحب البنية القوية وطاقيته البيضاء الملفوفة ثلاث لفات، ويبرز من وجهه شاربٌ أسود ذو شعر غليظ (كملامح وجهه) متصلٌ مع لحيته المهندمة، وتجلس بجواره ڤيان ربما لا يوجد وصف لها سوى أنها كتلةٌ من النور الذي يخترق القلب كالملائكة، يحيل بيننا مكتب فوقه القليل من الحلوى والعصير، وبجواري أمي صاحبة القلب الدافئ والبشرة السمراء وحذائها الأسود الجديد. ويوجد بجواري ڤازةً جميلة أخاف أن ألمسها فتنكسر من توتري. ويكاد كل هذا لايُرى فكل ما تراه عيناي باهتمامٍ الآن هو عينيّ ڤيان وابتسامتها.

(وانتهى اليوم بوالدها يقول "الفاتحة"، وأنا ممسكٌ بيدي ڤيان.)  كم تمنيت أن تكون تلك النهاية. لكن الحقيقة أن هذا ما أراه كلُ يومٍ في حُلُمي بعد أن ماتت بأيامٍ من إرسالها الرسالة، وقبل أن أخبرها كم أنا أحبها. 

لم ألبث كثيرًا حتى لحقت بها.

"يمنح البعض الحياة بحياتهم، وآخرون يأخذونها حين ذهابهم."

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق