من رسائل الفتى ذي الرأسين إلى المعلّم فرحان..

فيلسوف كاذب

فيلسوف كاذب

بتاريخ نشرت
وإنني إذا ما أردت أن أفسِّر تعاستي، فلا يمكنني أن أفسّرها بالأفعال التي قمت بها.. لم أكن ملاكاً .. لقد ارتكبت بعض الحماقات بالطبع.. لكنني - وبشكل عام- لم أفعل أي شيء إِلَّا وكنت موقناً بصوابيّته.. كل فعل بدى صائباً وحكيماً في حينه..
المشكلة لم تكن في أفعالي إذن.. بل في الاتجاه الذي حدثت به.. في التصوّرات التي حكمت تلك الأفعال.. في الأوهام الزائفة عن الله والنَّاس والأشياء والعالم أجمع.. وكيف تعمل الأشياء وكيف لا تعمل.. لم تكن المشكلة في الخطى.. لقد حثثت الخطى فعلا! لكن في الدروب الخطأ.. لقد عملت بجدٍّ يا سيّد فرحان.. وبذلت الكثير من التضحيات.. لكن كل تلك الجهود كانت في قضايا خاسرة..
ولئن كنت الْيَوْمَ قادرًا على تصحيح تصوراتي، فهل يمكنني فعلاً أن أغير نتائج ما وصلت إليه؟ وهل من السهل على الإنسان أن يُؤْمِن أنه برغم كل تلك الدماء والدموع والجروح قد خسر معركة حياته؟ وأن كل تلك الدروب التي سلكها لم توصله إِلَّا إلى حيث بدأ؟ وكم من الحزن يلزم ليعلّق الإنسان حلمه على الحائط بيديه ويقول له " ابق هنا.. لقد كنت حلما جميلا.. لكنني لم أستطع تحقيقك"..
بعد عُمْرٍ من التجديف المنهك يا سيّد فرحان.. ما زلت تائهاً في عرض البحر.. وأنظر حولي فلا أرى إلا ماءً مالحاً دبقاً أزرق.. وأحسّه في فمي وأنفي وروحي وعينيّ.. ومن يدري؟ فلربّما أصبحت أنا ذلك الماء.. الماء المالح الدبق الأزرق..




التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق