الفشل

الفشل

أحلام

أحلام

بتاريخ نشرت

تعبتُ من التجوّل بين أرجاء المكتبة بطابقيها ، أمشي بين أقسامها وأمرّ سريعًا بإصبعي على عناوين الكتب في الرفّ الواحد عليّ أعثر على كتابًا رقيقًا من الشِّعر أو الروايات العاطفية التي يتمزّق الواحد منّا بين أحداثها أو حتى رعب القصص البوليسية .. ولا بأس بأيّ كتاب تاريخي أو تلك الكتب التي تتكلّم عن عجائب الله في خلق الحيوانات والطبيعة ، حتى باتت أمنيّتي في نهاية البحث أيّ كتاب مكتوب باللغةالعربية فكل الكتب هناك علمية باللغة الأجنبية !


جلستُ أخيرًا مُتعبة أمام طاولة غادرها الطلاب مُخلّفين وراءهم اختياراتهم التي اختاروها رغبة أو إجبارًا بحكم مُتطلبات الجامعة ..

هذا كتاب باللغة العربية !

لا أذكر عنوانه ولا محتواه ولا فهرسه الذي من خلاله أُحاول معرفة ما يجول في خاطر مُؤلفه ، سحبتُ الكتاب تجاهي ؛ قلّبت صفحاته سريعًا لاستعراض حجمه ! ثمّ توقّفت عند صفحة ، ألقيتُ نظرة شاملة عليها حتى التقى بصري وقلبي عند جملة ..

وكعادتي في ذلك الوقت ؛ كنتُ أحتفظ بالكلمات التي تُلامس قلبي في الدفاتر خشية أنْ لا نلتقي مرّة أخرى فأنساها ولا سبيل لاستردادها .

" إذا أردتَ النّصر فيجب أنْ لا تفزع من الفشل ".


كتبتها في دفتري ، أغلقتُ الكتاب ، خرجتُ من المكتبة ، وتخرّجتُ من الجامعة .. بعد عدة سنوات لم أعُد أعرف أين هي أيّام دفاتري ولا أتذكّر أبيات الشِّعر والقصائد والحِكم التي كنتُ أُسطّرها في كل فصل حينما أُعجب فيها وأنا في طريق حياتي المتغيّرة والماضية بسرعة … إلّاهذه الجملة !

خالدة في تاريخ ذكرياتي ، أراها وأنا أتشبّث بالحياة والممات ، بالأشياء التي أُحبّ ، والأشياء التي أكره لكنني مُرغمة على البقاء فيها ..

يبدو أنني لم أكُن أعرف الفشل سابقًا ، لذلك أخذتْ هذه الكلمات موطئًا في داخلي منذ قرأتها لغرابتها !


أتعجّب كثيرًا من تمسّكي بالسراب رغم وضوح الحقيقة أمامي ، لماذا لا أتنازل عن الأشياء التي أُدرك تماماً أنّني لن أتملكها ، لماذا أستنزف روحي وأهدر عمري وأنا في جهاد حتى الرمق الأخير للحصول عليها ؟!

لماذا لا أمتلك قوّة التخّلي عن الأشياء حينما تتخلّى عني ! لماذا أُفضّل تلقّي صفعة إسقاطي تمامًا مع أنّ الشواهد كلها تقول لي مرارًا : فلتمضي وحيدة !


تذوّقتُ معنى الرسوب في المواد الدراسية لأوّل مرة في الجامعة ، الامتحان الأول يقول لي : لا داعي لأنْ تُكملي ، أسقطِي المادة ، لكننيكُنت أُكمل ، تجميع العلامات قبل النهائي يصُرّ على أنّ النتيجة منتهية ، أريحي نفسك من المحاولات التي لا تُجدي ، أعطِ هذا الوقت الذي لا فائدة من استنزافه في هذا المساق لمادة أخرى ؛ لكنني أستمرّ في حضور المحاضرات والدراسة وأخرج من آخر الامتحانات بعد ثبوت رؤية الفشل وأنا أقول لنفسي :

لربّما أنجح !


منذ الساعة الأولى التي وصل بها والدِي المستشفى ، اتّصلت بي أمي لتقول لي :

الدكتور قال هذا المريض ميّت ؛ لكنني لم أستوعب هذه الحقيقة وحتى ليلته الأخيرة كنتُ أُكرر على مسامع مَن حولي : أما آن له أنْ يستيقظ؟!

والكل مذهول من سؤالي ، لا يُجيب ! 

في الحقيقة ملامحهم كانت تتكلّم لكنني لا أُريد أنْ أفهم !

في كل مرة نجلس نتذكّر تلك الأيام تعود أخواتي لتذكرتي :

أحلام كنتِ غريبة ، الأمر كان منتهٍ منذ الساعة الأولى وأنتِ تتكلّمين وتتصرّفين بشكل معاكِس لواقع الموت ! 

كيف أُخبركم أنني صدقًا لم أكُن أرَ الموت !

حتى بعد دفنه لم أستطع استيعاب موته !


هكذا في كل مرة ..

يبقَ الأمل يدفعني لعلّ هناك معجزة ما .. تحدث 

لا تدري لعلّ الله يُحدث بعد ذلك أمرًا !

وفي كل مرّة أتساءل هل هذا حقًا من حسن الظنّ بالله ورجاء ما عنده وهو القادر على قلب الأمور المستحيلة التي لا نملك لها الأسباب بقوله للشيء كُن فيكون ؟

أم هو كره الفشل وعدم استيعاب حقيقته ؟ 

أم  غرور النفس التي تأبى أن تتنازل عمّا تُريد حتى لو لم يكُن صالحًا لها !


أيا نفس :

لمَ ؟!

وأيّ طريق ينبغي عليّ أن أسلك !!

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق