إلى والدِي 💔

أحلام

أحلام

بتاريخ نشرت

أسكتُّ المنبّه عدة مرات قبل أن أضطرّ أخيرًا للقيام من فراشي ؛ كنت كالذي نجى من معركة خاضها طوال الليل فـ تركت أثرها في جسدٍ منهك وفؤادٍ مضنى وصداع يشتهي بسببه أن يُهشم رأسه لعل ألمه يهدأ !

خرجتُ من البيت ..
مساحة ضيّقة جدًا لا تتعدى الـ مترين تلك التي كنت أنتظر بها حافلة المنطقة النائية .. لكن شيئًا ما في داخلي يثور ويغلي لا يترك مجالًا للوقوف فـ كنت أمشي بـ تلك المساحة كالذي يدور حول نفسه وهو كل مُناه الهروب منها ..

وجلست في الحافلة بعيدًا عن زميلاتي بجانب النافذة وحدي ،، لا مهرب من المواجهة الآن !
كان قلبي يحترق بكل ما تحمله الكلمة من معنى ؛ لا أسوأ من شعور الشوق لِـ مَن استحال لقاؤه !
أشتهي دقيقة ... دقيقة واحدة فقط يا أبي أراكـ فيها ،، كلمة واحدة فقط أقولها لك ،، أنت لا تعرف أن الشوق يجثو على ركبتيه في قلبي ولا أمل لـ قيامه !

لا أعرف لم مع كل هذا المرار وهذا الألم تذكّرت موقف مضى عليه سنوات ..

طلبت مني صديقة قريبة أن أتحدّث إلى أختها التي على علاقة عاطفية غير شرعية مع أحدهم ، وفي الحقيقة كنت قد عرفتُ ذلك وحدي وقبل أنْ تُخبرني هي بذلك حينما أخطأت أختها بفتح سماعة الهاتف وهي تُحدّثه فـ ارتبكت وفضحت نفسها بنفسها ... وحتى لا تخسر ثقتها بأختها حدّثتها وكأني اكتشفت الأمر بنفسي وأنصحها كإحدى خواتي ..
لكنها قابلت النصح بانفعال غريب وإجابات هي نفسها تُدرك كذبها وخداعها لنفسها .. حتى أنهت نقاشنا بوقوفها أمامي وقد استقبلت القبلة ورفعت يديها إلى السماء تدعو الله وهي تُكرر :
" يا رب يا رب يا رب أن تُبتلي بـ حبّ يحرق قلبك لتعلمي أنّك لستِ أفضل منّا " !

أُصبتُ بالخرس حينها ولم أعرف ماذا أردّ حتى على أختها التي ذهبت تُكرر اعتذارها نيابة عنها ، لم أنسب فضل ثباتي يومًا لنفسي ، بل كنت أُحدّث الجميع بـ خوفي الدائم من الوقوع .. لكنه حفظ الله وستره وفضله وحده .

وبقيتُ أيّامًا خائفة من دعوتها حتى أُخبِرت أمي فواستني : " أنّ الله لا يقبل دعوة معتدٍ في الدعاء " 

تزوّجت هي من آخر ، لكنّ دعوتها حُفرت داخلي ، أخشاها دائمًا وأستغفر الله إنْ كنت قد قسوتُ بكلامي معها من غير قصد .

لا أعرف لم تذكّرتها اليوم وأنا أُكابد كل مشاعر الحب والحنين وفقد والدِي ، وكأني أستدعي كل همّ وألم يستفزّ جرحي ويستثير دموعي !

أكثر من نصف ساعة في طريقي أهرب من ذكرى فتختقني أخرى ،، وأمسح دمعة فتنسكب أخريات !

مضى اليوم ،، وعدتُ إلى البيت وقد احتفظتُ بِـ كل أسباب شقائي وأوجاعي ..

وحينما أدلى الليل ستائره واشتدّت ظلمته طاف بـ ذاكرتي تلك المرأة الجزائرية المسنّة التي كانت تنتظرني في الحرم على مدار ثلاثة أيام وتحتفظ لي بمكان بجانبها إنْ تأخّرنا ..
أذكر أنّه حينما رُفع أذان العصر في أحد تلك الأيام بالمسجد الحرام ،، سحبتُ قدمي إليّ كي يتسنّى لي وضع وجهي بين باطن كفّي على ركبتيّ وذهبتُ أدعو الله أن يحفظ عليّ قلبي ؛ فإني وإن كنتُ أبدو للجميع قويّة ثابتة إلّا أنني أعلم الناس بنفسي كم أنا هشّة وضعيفة !
وكنتُ حينها قد تذكرتُ دعوة تلك البنت فـ رحت أبكي خوفًا أن تُصيبني دعوتها ، فلمّا أُقيمت الصلاة بعد ربع ساعة تقريبًا ، رفعتُ رأسي من بين يديّ فإذا دموعي متناثرة تكشف الهمّ الذي اعتراني حينها ؛ فأخذتني تلك الأم بين أحضانها داعية :
" أسأل الله أنْ يرزقك مَن تبكين من أجله " !
وحتى اللحظة كلما تذكّرت دعوتها ضحكتُ رغمًا عني :) 

أخبرني يا والدِي أنّ دعوة تلك الفتاة لن تُصيب قلبي ، أسعدني بزيارة حتى لو كانت منامًا !

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق