مريضة أنا بالتعلّق

مريضة أنا بالتعلّق

أحلام

أحلام

بتاريخ نشرت
مريضة أنا بالتعلّق بالأشياء ..
بكل الأشياء البسيطة ، التافهة ، التي انتهت صلاحيتها ، والتي لا فائدة أجنيها من الاحتفاظ بها ، بل على العكس تحجز مكانًا وتُضيق حال قلبي عليّ !

قُصاصة ورق ، بطاقة صداقة ، غصنٌ من شجرة الياسمين حُفر على أوراقه البيضاء أسماء صديقاتي المُقربات في المدرسة وحمل على ضعفه تاريخ التوثيق !
دفترٌ من المرحلة الإعدادية أجمع فيه أبيات شعرٍ مررتُ بها فأحببتها ..
دفتر من المرحلة الابتدائية أهدته لي خالتي وكان أول مَن يُهدي لي عليه كلمات الحبّ خالتي الأخرى ..
إكسسوارات لم تعد قابلة للاستعمال ما زلتُ أحتفظ بها في صندوق ذكرياتي ..

لماذا أحتفظ بكل هذه الأعباء ؟!
لا أعرف ، رغم تكرار إعادة النظر فيما أملك في فترات مُتقاربة ،، ورغم تخلّصي في كل مرة من الأشياء التي لا داعي للاحتفاظ بها إلّا أنني ما زلت أحتفظ بالكثير من الأشياء ..!

أتظنّ أنني فقط أحتفظ بالأشياء الماديّة الموجودة !

لا أنسى عيني رجل عجوز عابر في حياتي أسدى لي بنصيحة ، ونظرة حزينة شاردة من خالي فلمّا ألحيّت عليه قال لي كلامًا لطيفًا يُخفي بها حقيقة مُرّة أُدركها جيّداً !

لا يتوقف الأمر هنا !
تلك النظرات لا أنساها !

لا أزال أذكر النظرات الهاربة من والدتي في أول يوم من امتحانات الثانوية العامة وهي تُطمئنني وتُوصيني بالمحافظة على هدوء أعصابي والخوف الساكن في عينيها يفضحها ..

ما زال ذلك اللقاء حاضرًا في ذاكرتي حينما ذهبتُ أستقبل والدِي يوم تخرّجي من الجامعة وأُقبل يداه وفرحة عينيه لا تخفى على أحد ..

ولا أُريد الحديث عن نظراته الصامتة الأخيرة في حياته في بيتنا قبل أن يُنقل إلى المستشفى ..

حتى نبرة الصوت !
أتعلم أنني في كثير من الأحيان أتلفّت كطفلة تائهة تبحث عن أمانها في صوت دافئ أحبّته وغادرها ..

وتهتز نبضات قلبي لنداء أب في مواصلات عامة لابنه البعيد ليأتي يجلس بجانبه ، مضى سنوات لا أذكر أحمد ولا والده لكن حنان والده كان في نبرة صوته المُتقطعة حينما قطع صوته كل فوضى صخب الراديو بندائه الضعيف :
" يابا يا احمد الله يرضى عليك تعال اقعد هون "


كل هذه الأشياء العابرة وأكثر تجلس في ذاكرتي يا والدِي ، فـ كيف الحال بذكرياتي معك !

كنت لا تُحب شراء البنّ الجاهز ، فـ تقف لتحميصه صباح العيد واضعًا يدك اليسرى خلف ظهرك وقد التفت رجليك الواحدة حول الأخرى لنستيقظ على رائحة البنّ العربي في البيت ..

كيف يُنسى قولك لإحدانا حينما تطلب منك شيئًا فتردّ باللهجة البدوية واضعًا إصبعك على أنفك :
" إبشري ، من هالخشم "

كيف لي أن أنسى حينما تُصاب إحدانا ببكاء هستيري مدّعية من اللاشيء فترقيها بالمعوذات ..

كيف أنسى ؟ وننسى ..

اليوم أتممت عامك الأول حيث أنت هناك لا ترانا ولا نراك ،، عاداتك ، نظراتك ، عطرك ، ضحكتك ، غضبك ، كلماتك ، وابتسامتك الهادئة كلها حاضرة لم تغب ..

فاللهم اغفر لوالدِي واعفُ عنه وارحمه وارحمنا إذا صرنا إلى ما صار إليه 
اللهم نوّر عليه قبره ووسع عليه مدخله واجعل قبره روضة من رياض الجنة
اللهم لطفًا وجبرًا لقلوبنا وقلوب المكلومين


التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق