بعض البنفسجيّ

بعض البنفسجيّ

إنسان تائه

إنسان تائه

بتاريخ نشرت

الليلة السّماء بنفسجيّة...ليست كعادتها برتقاليّة...

يا لروعة هذا اللّون...خليطُ الأزرق والزّهري...ليس مخصّصاً للفتيان ولا هو مخصّصٌ للفتيات، هو فقط يقف في الوسط، كاللّون الرّمادي، حياديّ....لا يتدخّل بأحد ولا يريد تدخّل أي أحدٍ به....مثلي تماماً...

ومن نظرةٍ أخرى، فإن اللّون البنفسجي لا يستطيع اتّخاذ القرار...وبدلاً من ذلك، فإنه يقف في الوسط مضرباً...مثلي تماماً

إنّي، منذ صغري، لا أحبّ التّدخل بأشغال الآخرين ولا أحب تدخّل لآخرين بأشغالي...هذه طبيعتي...ويساعدني عليها انعدام فضولي...فرغم تساؤلي، لا أقوم بأيّ جهدٍ لمعرفة شيءٍ لا يقدمّ ولا يؤخّر...

وإني أيضاً محتار...لا أستطيع اتخاذ قرار...اليوم أجلس مُنهزماً أمام الطريقة العفوية لجريان الحياة...لقد جلست في نفس المكان هذا قبل بضع أشهرٍ وأنا أبني أحلاماً ليست الآن تعني لي أي شيء...والآن ها أنا، اليوم، أجلس متفكراً بمستقبلي...هل أضع أحلاماً وأفكاراً لن أستطيع الوصول إليها وسأنساها فور ما أنتهي من التفكير؟ أم أغطس، ورأسي في الأمام، إلى بحرٍ من المجهول؟

لحظاتٌ مثل هذه هي الّتي تغيّر مسار الإنسان بشكلٍ كامل...فحياتنا هي تتكونّ بشكلٍ رئيسيٍّ من قراراتنا السّابقة...وهي تبني حاضرنا...وحاضرنا، بدوره، يبني مستقبلنا...خلال بضع سنواتٍ من الممكن أن توضع كلمة "دكتور" أو "مهندس" قبل اسمي، مزيّنته وجاذبةً لأعين الآخرين...ولربما كلمة "أستاذ" وهي الأقلّ تقديراً، ولكنّها ما زالت كلمةً تعطي أهمّية...ولربما، والله أعلم، لجاءت بعد اسمي عبارة "رحمه الله"....ولربما لن يُعرف اسمي في الأصل.

من سأكون؟ إلى أين أنا بذاهب؟

كيف سأكون؟ ولماذا أنا بذاهب؟

الجميع يقول "اتبع أحلام" وما شابهه من الكلام، وعند اللحظة الحاسمة التي ستقرّر فيها مسار حياتك، الجميع يدفعك لتصبح ما لم يستطيعوا أن يصبحوه يوماً ما في حياتهم... يا له من تناقضٍ محزن... حيواتُ تُهدر من أجل أحلامٍ لم تُوصل...

وما أبشع نظراتِ النّاس عند إخبارك لهم عن أهدافك وعن ما تريد أن تصبح... نظراتُ تأكُل اللحم، نظراتُ جارحة... كأنّ أحداً قد طلب رأيهم... كأنّ لهم قولٌ في حياتي ومجراها... مجتمعٌ متحكّم... يريدك أن تحقّق أحلامه... مجتمعُ متخلّف... إن لم تحقّق أحلامه يحاول تحطيم أحلامك... مجتمعُ حسود... يحسدك على قدرتك وشجاعتك للذهاب وراء ما تحبّه...

ولكن من هم لأهتمّ لهم؟ أليست هذه حياتي التي أعيشها؟ ألست أنا من ناضلت لأصل إلى المكان الذي أنا فيه؟ فألا يحقّ لي بحريّة اختيار مسار بقيّة حياتي....؟

والآن من أنا؟ ألم أكن ذلك الفتى البوهيميّ...فلمَ أهتمّ الآن بآراء الآخرين؟ لمَ أقف مثل اللّون البنفسجيّ ممتنعاً الاختيار...واقفاً بلا قرار...؟

بلا، أنا هو. لربما أنا إنسانٌ تائه في الطّبيعة، ولكنّي سأختار لنفسي من سأكون بعد الآن!

أنا الكاتب البوهيميّ...رغم أنّي أهتم أحياناً... أنا الشّاعر الدّمشقيّ... رغم أنّي لم أزر دمشق يوماً... أريد أن أدرس عقل الإنسان...أريد أن أعرف طريقة تفكيره... وأريد الكتابة ثمّ الكتابة... أريد أن أكون ذاك الكاتب الذي سيغيّر الوضع العربيّ...ومن قال أنّ الكتابة ليست مفيدة؟ ربّما أصبح العرب شعباً متخلّفاً، ولكنّه شعبٌ يقرأ! ربّما قصيدة حب...ربّما رواية شوق...وربّما مقالةٌ عن الوطن! أيّاً كان، فإنّي أريد أن أرى أمّة محمدٍ على قدميها...!

لن أكون مثل اللّون البنفسجيّ بعد الآن... لن أقف بصمتٍ وحيرةٍ بعد الآن! نعم، صحيح، إنّني تائه، ولكنّي لست محتاراً...ربّما لا أعرف الطّريق ولكنّني أعرف الوجهة....وربما لا أتدخّل بأشغال الآخرين، ولكن القضيّة العربيّة هي قضيّتي، والأمّة الإسلامية هي أمّتي! 



التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق