صُدفةٌ جميلة

صُدفةٌ جميلة

إنسان تائه

إنسان تائه

رضا يشعر بالرضا، بتاريخ نشرت

هل تعرف تلك المصادفات السّخيفة وفي نفس الوقت الجميلة التي ترسم ضحكةً على وجهك كلّما تذكّرتها؟


السّاعة 6:30 دخلت المقهى كالعادة واتّجهت إلى طاولتي المعتادة لأكتشف أنّ هناك أحداً يجلس عليها...فمثل إنسانٍ طبيعي تجاهلت الموضوع واتّجهت إلى طاولةٍ أخرى، أخرجت دفتري وطلبت الشّاي...

"Çay alabilir miyim? Teşekkürler"

على دفتري، أكملت كتاباتي، فإنّي كنت أدرس اللّغة الإسبانية والآن أنا كنت أدوّن جملاً مفيدة للتّعارف...

"¿Dónde vives?"

"vivo en Estambul!"

في أي حال، عندما انتهيت من كتابة بعض الجمل المفيدة وصلت صديقتي في الوقت المناسب...على السّاعة 7:00 مثلما اتّفقنا.

بعد مجيء صديقتي انتقلنا إلى طاولتنا المعتادة وتحدّثنا قليلاً عن أنفسنا...

جنسها عكس جنسي، عمرها ضعف عمري، لكنّنا دائماً على تفاهمٍ تام...

ألمانيّة الجنسيّة، تركيّة الهويّة، تتحدث بالإنجليزية، وللأسنان هي طبيبة!

ونحن نتكلّم، لاحظت فتاةً في الطّاولة إلى جانبنا تدرس ولسببٍ من الأسباب شكلها شدّ انتباهي...كأنّها كانت مألوفة لي...

لكن في أيّ حال، تجاهلتها ونسيت وجودها...لكن بعد فترة جاءت لتجلس بجانبنا (الطّاولة التي كنّا جالسين عليها هي طاولة اجتماعات، لذلك يمكن لعدّة أشخاص أن يجلسوا عليها) وقالت مستأذنةً في الانجليزية: "هل من الممكن أن أجلس هنا؟" مع أنّها كانت تركية المظهر، فأشرنا لها بأنّها يمكنها الجلوس، وأكملنا نحن بدورنا محادثتنا.

كنت ألتقي مع صديقتي مرتين أو ثلاثة كلّ أسبوع من أجل أن أساعدها في تعلّم العربيّة...وهي بدورها كانت تساعدني في تعلّم التّركية وبعض الإسبانية بما أنّها كانت تتحدثّها بشكلٍ جيدٍ جداً....ولكن ليس كشخصٍ إسباني!

تحت الأضواء البرتقالية السّاطعة درسنا القليل من العربيّة حيث ترجمت هي بعض الجمل العربية إلى الانجليزية وأنا صحّحت ترجمتها،

ونحن ندرس، تفاجأت بهذه الفتاة وهي تتمتم شيئاً لي...شيئاً لم أفهمه، فنظرت لها بطريقةٍ...غريبة ربّما...لكن بلا قصد! لم أفهم ما قالتله، فقلت لها "هممم؟" ثمّ سألتني في الانجليزية: "هل تتحدّث التّركية؟" فقلت لها "نعم، التّركية والعربية"

ثمّ نظرت إليّ نظرةً محتارة وسألتني مجدّداً مع تعديلٍ بسيط "هل أنت تركيّ؟ من أين أنت؟" فقلت لها "لا، أنا من سوريا" وشاهدت الدّهشة على وجهها...ثمّ من بعدها بدأنا المحادثة...نحن الثّلاثة...سألت عنّا وعن دراستنا....وقالت لنا أنّها كانت تدرس لامتحان اللّغة الإنجليزية من أجل أن تذهب إلى سويسرا!

تكلّمنا قليلاً عن الكثير، وشعرت بالسّعادة على وجهها الذي أُنير بنيران الحماس! كلّ بضع دقائق كانت تقول "تشرّفت كثيراً بمعرفتكم" محاولةً التّعبير عن سعادتها التي وضعتها فوق الغيوم...لحظاتٌ كهذه تجعل الشّخص يحسّ بالأهمية...ولو دامت بضع دقائقٍ فقط...

كانت الفتاة لطيفةً جدّاً وبدت ممنونةً بأنّها التقت فينا هكذا...فأحببت هذه الصّدفة....لكن اعتراني شعورٌ غريب....لكنّه كان مألوفاً...فرأيت نفسي في تلك الفتاة...هكذا كنت عندما بدأت التّعرف على النّاس، أُلهم بنسمة هواء وأُبهر بعشبٍ وتراب...لكن بعد وقتٍ أصبحت معاييري أعلى...وفكرة أنّ نفس الشيء  سيحدث معها ولن نكون إلا لعبةً لمعت في عينيّ طفل...حطّمتني....لكنّي أدركت بعدها أنّنا مع ذلك سنبقى في عقلها، سنبقى لمعةً في عينيها! فإنّي لم أنسَ أول ناسٍ أبهروني.... :)

في أي حال، تحدّثنا المزيد وأخبرتنا أن زفافها سوف يكون في شباط، وحتى دعتنا لحضوره!! تخيّل...لديّ الكثير من الأصدقاء لكن هذه الغريبة كانت الأولى لأن تدعوني إلى زفافها!!

كانت هذه صدفةً خلّابة...صدفةً عذبة....حتّى لو كانت عابرةً،


عادةً أرى أناساً في أماكنٍ عشوائية...ألاحظهم وأنتقيهم من بين الجميع في الشّارع أو في المقهى أو في أي مكان...وأتساؤل بين نفسي عن حيواتهم وشخصيّاتهم...لكن لا أتجرّؤ أبداً على أن أتقدّم وأتكلّم معهم، لكن هذه المرّة كانت مختلفة! وأحسست بشعورٍ رائع، فشجاعتها شجّعتني واهتمامها ألهمني! والآن لا أريد أن أخجل مجدّداً...فإنّي الآن أشعر بعدد الصّداقات التي كان من الممكن أن أكسبها، عدد الأشخاص العظماء الذي كان من الممكن التّعرف عليهم! أفضّل أن أُحرج على أن أندم :)


هل تعرف تلك المصادفات السّخيفة وفي نفس الوقت الجميلة التي ترسم ضحكةً على وجهك كلّما تذكّرتها؟

نعم أنا الذي أعرفها!

التعليقات

  • رياض فالحي

    اللغة الإسبانية حلوة حصلت على الإجازة فيها بعد ثلاث سنوات دراسة فبعد ان أكملت الهندسة في البرمجة إشتغلت صدفة في شركة إسبانية تعلمتها بداية من خلال التكلم مع زملاء الشغل ثم بعد ذلك درستها .الحقيقة إستفدت منها كثيرا فقد ترجمت عدة كتب ومقالات لباحث في الدكتوراه ...أشجعك على تعلم اللغات إذا كان لديك وقت فراغ و شغف ستستفيد من ذلك حتما.
    1

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق