||| ثلاثة |||

||| ثلاثة |||

إنسان تائه

إنسان تائه

بتاريخ نشرت

كان في منتصف اللّيل باصٌ فيه ثلاثة أشخاص.

أوّلهم شيخٌ، ثانيهم طالب علمٍ شرعيٍّ وثالثهم مجرمٌ سفّاح.

وفي ظلمة اللّيل انحرف الباصُ عن مساره وسقط من جرفٍ مؤدّياً بموت جميع ركّابه الثلاثة مع السّائق.

في البرزخ، امتنع الشّيخ النظر إلى المجرم والتّكلّم معه تكبّراً واشمئزازاً من قذارة ماضيه، بينما كان طالب العلم مرتعباً كأنّه رأى شبحاً، والحقيقة الأكثر رعباً هي أنّه أصبح واحداً، بينما الثّالث كان هادئاً جدّاً كأنّه يشاهد من جديد نفس المسرحيّةً القديمة.

وحين جاء وقت الحقيقة، عندما كان على كلّ واحدٍ أن يأخذ كتابه، مشى الشّيخُ والبسمة مغطيّةٌ سيماه في وجهه، مادّاً يده اليمنى، والطّالب مشى مرتجفاً وعرقه وصل إلى ركبتيه، أمّا المجرم فمشى لا مبالياً وهو يعرف حتفه.

قال الملك للشّيخ: "السّلامُ عليكَ، اليوم حسابك ترا فيه كلّ ذرةِ خيرٍ وكلّ ذرةِ شرٍّ قد زرعتها في روحك، في أرواح الآخرين، وفي الأرض."

نظر الملك إلى الكتاب في يديه متعجّباً ونظر إلى الشّيخ مرةً أخرى ليتأكّد ثمّ أرسله إلى النّار، قائلاً: "أوليس أسوأ النّاس من فيهم قد ادّعى كثرة الحكمة ووفرة الإيمان بينما هو ينشر الكراهية وينفّر عن الإسلام..."

صعد بعده طالبُ العلم الشّرعي الذي درس تحت الشّيخ. نظر إليه الملك مطوّلاً ثمّ أرسله خلف شيخه وقال: "لم تتبعه هنا لأنك تبعته هناك، بل لأنّك ادّعيت مثله ما لم يكن فيك. أظهرت ما لم تبطن وأبطنت ما لم تظهر، والله يعلم ما في القلوب. المساجد والسّور تشفع لك ولكن النّوادي اللّيليّة والفواحش تحكي قصّةً أخرى. تقرأ القرآن نهاراً وتعصي أوامره ليلاً. أنت مثالٌ حيٌّ للنّفاق. لن تدخل الجنّة بعلامات امتحاناتك الدّنيويّة، لكن ستدخل جهنّم لفشلك بالامتحانات الرّبّانيّة."

لكن عندما دخل المجرم، لم يتردّد الملك بإظهار الاحترام له وإرساله في طريقه إلى الجنّة، فغضب الشّيخ متعجّباً وسأل "أترسلون شيخاً مثلي، قدّيساً إلى جهنّم ومجرماً قذراً مثله، بل شيطاناً إلى الجنّة؟ أين العدالة الرّبّانية؟!"

فردّ عليه الملك بنبرةٍ توبيخية تخلّلها الغضب: "تتكلّم عنه وكأنّك لم تعرفه يوماً. الحقيقة أنّه كان أحد النّاس الذين جاؤوك للهداية لكنّك ردّيته وقلت له أنّ توبته لا تُقبل. لذلك أكمل الرّجل حياته الإجراميّة، لكن كانت في قلبه نيّة التّوبة والاهتداء، فإنّما الأعمال بالنّيات. فالآن نحن نضطرّ أن نقبل كل مجرمين وسفّاحين وفاسدين هذا الجيل الذين كانت في قلوبهم بذرةُ خيرٍ أنت وأمثالك جعلتوا زهرتها تذبل بدلاً من أن تتفتّح، فهم ضلّوا لكنّكم تظلّون الأكثر ضلالةً!"

لكن قبل أن تنتهي القصّة تقدّم سائق الباص إلى "المنصّة" وقال له الملكُ أن يتفضّل إلى قصره في الجنّة،

ومن دون أن يسأل الشّيخ وطالبه الملك، قالوا في أنفسهم: "صحيحٌ أنّه كان مدمناً وقد شرب قبل قيادة الباص الذي أودى بنا جميعاً، لكن بالرّغم من كلّ آثامه وسيّئاته وعيوبه، فقد كان دائم التّوبة والرّجوع إلى ربّه. ومغفرة الله أكبر من آثامنا." 

ففهموا.

لكن تأخّر الوقت.


التعليقات

  • YUKI

    لخصت في قصة قصيرة .. ما كنت أحاول أن أقوله لسنين .. :)
    1

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق