وقتُ المصارحة

وقتُ المصارحة

إنسان تائه

إنسان تائه

بتاريخ نشرت

حان وقتُ مصارحة نفسي...فإن أول مراحل الاستمرار في الحياة تكون في الاعتراف بوجود مشكلة.

سأدع المطر الذي يُداعب أوراق الشّجر، وينقضّ على قطعة المعدن التي لا أعرف مكانها -- والتي لا تنفكّ عن إصدار أكثر الأصوات إزعاجاً، مشتّتاً تسلسل قطار أفكاري -- يغسل ذنوب الأمس لعلّي أفتح صفحةً جديدةً بيضاء أكون فيها متصالحاً مع ذاتي...

نعم، إنّي ما زلت أُفكّر بها بعض الأحيان.

أو على الأقل بما حظينا به -- لا أعرفُ ما أسمّيه، فلم نعطه اسماً قط، خشيةً أن يفسد ذلك براءة ما كان بيننا. هل كانت علاقةً، قصة عشقٍ عذريٍّ، أم زيادة هرموناتٍ سخيفة؟ لا أدري ولا يهمنّي ذلك الآن.

ما زالت كتبها متربّعةً مكانها في صدر الرّف، مغبّرةً كأثرٍ من الحرب العالمية الأولى، منتظرةً أحداً ليفتحها ويسكب انتباهه عليها، لكن جميعنا نعرف أنّ ذلك لن يحصل قريباً. وما زال قميصها التي أهدتنا إيّاه آخذاً مكانه في زاوية خزانة ملابسي. لقد لبسته فترةً وجيزةً لكن بعدها كلما نظرت إليه وأنا أفكّر بما عليّ ارتداؤه، نظرت على غيره على الفور محاولاً تجاهله، لكنّي في الحقيقة كنت أحاول دفن الذكريات التي لم تزل تحاول الخروج وأخذ انتباهي. فكّرت بحرق القميص أو التّبرّع به، لكنّي دوماً علمت أنّي لن أتخلّص من الماضي بتلك السّهولة.

هل أحبّها ما زلت؟ لا.

لكن قلبي الذي قد تألّم كثيراً قد تخدّر وهو لا يشعر بالألم بعد الآن، ولا يشعر بأي شيء.

فكّرت بأن أتّخذ السجائر مهرباً من مشاكلي وهمومي، لكن لم أمتلك الشّجاعة لأكون بذلك الغباء.

دفعت نفسي لأتمتّع بفكرة أن ألتقي بفتياتٍ أخرى، وهو ليس من طبعي أبداً، لعلّي أجد العشق التي كنت أبحث عنه، لكي أثبت لنفسي أنّ ما كان لم يكن إلا خزعبلات طفلٍ لم يبلغ الثامنة عشر...لكن ضميري لم يسمح لي. أو ربّما لم أكن شجاعاً كافية. أو ربّما لم أكن مستعداً للاستمرار بحياتي، منتقلاً من فتاةٍ لفتاةِ...

لكن، ربّما يجب علي فعل ذلك. فأنا حيٌّ ويافعٌ ولديّ ما أريد أن أنساه...

لكن لا يأتي العشق حسب الرّغبة، فهو يأتي متى شاء بلا دعوة.

بلا دستورٍ ولا عنوان، كما نقول في بلاد الشّام.

لأكون صريحاً تماماً،

إنّي أشعر بالوحدة الموحشة،

لكنّي لا أستطيع أن أنكر أنّي قد شعرت بها لفترةٍ طويلة،

حتّى حينما كنت معها...


أمّا عن نفسي شخصياً،

فأنا غاضبٌ حيث قد خُيِّب ظنّي.

ربّما درست بما فيه الكفاية وقدّمت أفضل ما كان لديّ، لكنّي في الأشهر الماضية قد غطست في ظلماتٍ لم أعرف بوجودها، دخلت في دوّاماتٍ جعلتني أنسى الوقت وأغفل عن مسائل الرّوح.

لقد اهتممت بعقلي كثيراً حتى نسيت عن روحي، والآن أنا فتىً قليل الإيمان بمعظم الأشياء، وكثير الظّن بنفسه خصيصاً.

لكنّي أستحقّ الرّاحة...كالجميع.

ربّما آخذ ساعةً أو سنةً لأصفّي فيها ذهني وأتّصل بروحي وأرتّب أفكاري.

فقد كنت في السّنوات الماضية أركض من امتحانٍ لامتحان، من فرصةٍ لأخرى. قبل سنواتٍ لم أستطع أن أعش طفولتي بكاملها، والآن قد حُرمت من أيّام مراهقتي...وماذا بعد؟

كلّ أصدقائي ومن يعرفني فعلاً يقول أنّي عجوزٌ بجسد طفل! أفكّر وأتصرّف وأعيش كرجلٍ بعمر ال40...كرجلٍ يعاني من أزمة نصف العمر! وما زال عمري في ربعه، أو ربيعه

 مهما كان التّعبير، فأنا نسيت ولم أعد أتذكّر.

نسيتُ....ولا أريد أن أتذكّر

التعليقات

  • YUKI

    "لم نعطه اسماً قط، خشيةً أن يفسد ذلك براءة ما كان بيننا" جملة جميلة .. 🌸
    لكنّك لماذا تريد النسيان إلى هذا الحدّ ؟.. تَذَكُّرُ تجربة كتلك لن يُضرّك إنما سيضفي على تجاربك القادمة حكمة لذيذة ..
    وإيّاك أن تتخذ من السجائر والمُتع الهاوية سبيلاً للنسيان .. فهي لن تُنسيك شيئاً إنما ستزيد في عذابك ..! وأنت لاشكّ تعرف هذا ..
    لابدّ لوحشتك أن تنجلي .. لاريب في أنّك سوف تُقابل من يفهمك ويعرف عقلك وقلبك حقّ المعرفة في يوم ما.. ذلك الشخص الذي يستحيل أن تشعر بالوحشة في قربه .. "هذا مبدأ من مبادئي لا يمكنني أن أتخلى عنه ولن أدعك تتخلى عنه أيضاً .. :) "
    نعم تستحقّ راحة وهدوءاً وسكينة .. فقط لا تُفكّر بشيء "أعلم مقدار صعوبة هذا ولكن لا ضير من المحاولة " .. بالطبع تستحق استراحة من هراء هذه الدنيا بين الفينة والأخرى .. 🤚🏻
    امنح نفسك ما حرمتها إيّاه لسنين .. الراحة !❤
    وتجاربك القاسيّة .. منحتْك مالم تمنح أقرانك من عُمقٍ وجمال .. يجب أن تفخر بوصفهم إياك بالعجوز .. 👍🏻😌
    1
    • إنسان تائه

      أشكرك على كلماتك الرّقيقة :)
      فعلاً أنت على حق، وأنا أعرف ذلك، لكنّي ألوم المجتمع الذي نعيش فيه الذي يدفعنا كلنا لنظنّ أنّ السّعادة تكمن في سحبة سيجارة أو سيّارة لامعة، أموالٍ طائلة أو نجاحاتٍ هائلة....لذلك دوماً أتذكّر مقولتك في حكايتك السّابقة 😌
      فعلاً، لذلك قرّرت أن آخذ بضعة أيّام لأسترجع السّلام الدّاخلي الذي كان فيّ يوماً...
      شكراً لك مجدّداً :)

      أينما كنتِ، ابقِ سعيدةً وبخير ^^
      1

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق