شوارعٌ مألوفة، وجوهٌ منسيّة

شوارعٌ مألوفة، وجوهٌ منسيّة

إنسان تائه

إنسان تائه

بتاريخ نشرت

https://www.youtube.com/watch?v=2oaOfYP91q8

تمشّيت اليوم في أزقّة مدينتي، المدينة التي لا تنام. وددت أن تواسيني، تهدّئني، وتعطيني...سبباً.لا لم أخطّط الانتحار، لكن هذه الأيام...لا تبدو حقيقيّةً. ذكرياتي باتت تخذلني، فبدأت أنسى من أنا، من كنت، من سأكون...

جلست في الحديقة أُشاهد الغيوم المهاجرة إلى حيث تغرب الشمس، إلى الأفق الذي وددت المكوث فيه أبداً. شعرت بثقل الوجود على قفصي الصّدري: هذا هو الشّعور بالحياة، أو على الأقل هذا ما قلته لنفسي، مقنعاً أو ربما خادعاً إيّاها. عندما تأخّر الوقت بدأت آخذ نفس الخطوات المعتادة، البطيئة، المقاومة إلى الطريق المعتاد، الوعر، الممل. ثمّ أحسست بقدماي تقوداني إلى الطريق الغير المأخوذ. لم أعرف الوجهة فتركت جسدي يستمتع بحريّته عديمة المعنى. وها أنا وجدت نفسي أقصد طرقاً مألوفة...ربما من حلمٍ قريبٍ أو ذكرىً بعيدة،ذكرىً ربما أنا أبعدتها. متموضعاً على جانب الطّريق، بدأت بانتظار الـ....ماذا؟ إنّي لم أعد في المدرسة وإنّ الحافلة تركت هذه الطّرقات منذ الأزل... وإذ بي أسلك طريق العودة ذاته بينما "تلوّنت" السماء بسوادٍ كذاك السّواد الذي كان يعتّم على رؤيتي للمستقبل...وما زال. وإذ بالشّارع المكتظّ يذكّرني باللّيال العديدة التي مشيت فيها مع أصدقاءٍ لم يعودوا يكلّموني بأعذارٍ متعدّدة لكن أسبابٍ مشكوكة. قرّرت العودة إلى المنزل قبل أن تلتهمني ظلمة اللّيل وتتسلّى فيما تبقّى منّي وحشته. وإذ بهذا الشّارع اليوميّ يتحوّل إلى مسرحٍ تاريخيّ بنظرةٍ واحدةً عشوائية إلى السّماء من زاويةٍ معيّنة. بينما منعت الدّموع من التفجّر بداخلي، تذكّرت اللّيال التي لم أرَ فيها إلّا القمر بجماله وهو يعكس وحدتي. لكن لم أكن وحيداً، فكان لديّ ذلك الصدّيق الذي اعتبرته صديقاً عزيزاً. كلّ يومٍ بعد المدرسة كنّا نتمشّى ونحن نمشي وراء الفتيات اللاّت سرقن قلوبنا. لم نقترب منهم أبداً، بل كنّا نتبعهم من بعدٍ ونتحدّث ونحن غارقون في مستقبلٍ يافعٍ رومانسيٍّ لن يأتٍ ولن نلاحقه. ذلك الشّاب الذي اعتاد أسراري بأكملها وحفظت أحبابه اختفى من حياتي بغضون سنة ولا أكثر. لم أره منذ 3 سنين. بالكاد أتذكّر وجهه. أتمنّى أنّه يتذكر وجهي...أو ربّما اسمي. يخطر على بالي دوماً أن أتواصل معه وأن أعيد الحياة للصداقة ما بيننا، لكنّي أمنع نفسي دوماً، فإنّي أعرف حقّ المعرفة أنّ الزّمان قد غيّرنا وقد فات أواننا، أو ربّما ختمنا ذاك الجزء من حياتنا. لذلك أريد أن أبقيه في ذاكرتي ذلك الصديق الذي تعلّمت معه إفشاء الأسرار وحفظها..." في بئر!" كما كان يقول.

والآن أنا أجلس في عزلتي التّعيسة أحاول تذكّر تلك الوجوه التي نسيتها قبل دهور. أحاول أن أبقيها حيّةً في قلبي، إن لم تبقَ في عقلي. والآن أدرك أنّي، بعد كل تلك الصداقات والعلاقات، لستُ تعيساً. بل إنّي سعيدٌ...ولكن ليس بلا مرارة.

https://www.youtube.com/watch?v=DQVBII9QeEQ




Photo credit: Homam Hamza https://www.instagram.com/p/B_F_QjlBLBl/


التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق