السبيل للتحرر من سجن العادات

السبيل للتحرر من سجن العادات

مدى التميمي

مدى التميمي

بتاريخ نشرت

سأحكي عن تجربة سلوكية لأول مرة أكتب عنها، وهي صراعي مع عاداتي السيئة. 

 خُضتها بإصرارٍ وانتصرت فيها حاملة معي غنائمَ لا تعدُّ ولا تحصى، أكتبها لكم لأني اكتسبتها من مجموعة أناس ذكروا تجاربهم ولم يبخلوا بالاحتفاظ بها فكوَّنتُ بها نسيجا خاص بي، وأنا هنا أحكيها لأنها تجربة تستحق أن تُحكى.


أولا؛ ما العادة؟

العادة ما يعتاده الإنسان ويصبح مألوفاً عنده لكثرةِ تكراره، والعادة تُكتسب بالممارسة، وبكثرة الممارسة تنتقل العادة من العقل الواعي للعقل اللا واعي.

تنظيف أسنانك مثلا عادة لا تحتاج للتفكير:

أولا: وعيكَ بأهمية تنظيف أسنانك يوميا حتى لا تصاب بالتسوس الذي يسبب الألم.

ثانيا: لأنك تفعلها دون أدنى جهد يحتاج منك التركيز، فأنت بدأت بتنظيف أسنانك مذ كنتَ طفلا، فلن تسأل نفسك أبدا بأي سِن ستبدأ بتنظيفه اليوم.

وهكذا؛ تستطيع أن تفرِّش أسنانك بينما تستحم أو تفكر بفلم ما أو حتى تضحك.


ثانيا: ما أهمية العادات؟

تُقاس إنتاجية الإنسان بمجموعِ عاداته.

العادات الصحية تجعلكَ أكثر تحكما لمجريات يومك، بمجرد ما تنظم عاداتك سواءً الاستهلاكية/الغذائية/الدراسية تُصبح أكثر إنتاجية وأقل تعبا، بل وتعرف نقاط قوتكَ وضعفك، وتجعل يومكَ منظما مُخطط له مسبقا، بل يمتد الأمر لِتتَغير بعض سلوكياتك دون أن تدري، كالتزامكَ بالوقت والمواعيد بعد أن كنت مهملا، أو تكتسب مهارتي التنظيم والتخطيط.

إنها ليست مبالغة، وستلاحظ الفرق بنفسك.


ثالثا: لم تغيير العادات ليس بالسهل؟

لأن العادات تحتاج للهدم أولا قبل البناء عليها.

هكذا ببساطة، ارمي عادة سيئة بالمهملات وضع عادة جيدة ببطء وسلاسة لتأخذ مكانها وتصبح عادة.

الصبر والمداومة والالتزام هي المفتاح لكل عادة جديدة.

إذاً؛ انتهينا من المقدمة ولنبدأ بالعمل:

لمقاومة الذاتية"

ركز عند قراءة القصة؛ سنعود إليها في كل فقرة:

في لندن أول ما اختُرعت المظلات الشمسية كان قِلةً من الناس يقتنونها، وكانوا محلَّ سُخرية يضحكون الناس عليهم ويرجمونهم بالحصى، بعدها بواسطة الدعاية وباعة المتاجر اُشتهرت المظلات وعرف الناس فوائدها، إذ يستضلون بها من حر الشمس وقطرات المطر، ثم أصبحت ضرورية في كل بيت، ثم موضة يتفاخرن النساء بها.

 

في كل مِنا إنسان عنيد، يقاوم كل جديد خَوفا أحيانا وعن جهلٍ أحيانا أخرى، هذا الكائن المتوجس لا بد أن تشرح له الأمر في بِضع جمل وإلا أصبح عقبة:

  • أفهم أن مقاومتكَ ستكون شديدة، ولن أقسو عليكَ، لأني إنسان وأنتَ جزأٌ مني.
  • يجب أن تستثمرَ قوتكَ لصالحي لا ضدي.
  • أقدر مخاوفك وسأشاركك بكل شيء فعاوني.
  • أنت صديقي ولنبدأ الخطة كالتالي:


أولا: الفهم

بالتأكيد أحدكم أراد أن يتعلم لغة جديدة، أو يبدأ بقراءة الكتب وغيرها، لكن المشكلة أنه كلما أراد أن يبدأ يُماطل، ثم يُأجل، ثم يَمل ويشعر بالتعب وأخيراً ينسحب، لا ننسى أن السبب صديقنا العنيد "المقاوم الذاتي" الذي ذكرناه آنفا.

ماذا نعني بالفهم؟

يعني أن تمسكَ بعادتكَ السيئة من تلابيبها وتصرخ بوجهها: أتعلمين مقدار الضرر الذي سبَّبتهِ لي؟

بسببكِ ولنفترض (عادة إدمان مواقع التواصل الاجتماعي):

  • أصبحتُ مُتنمرا إلكترونيا.
  • أضعتُ الكثير من وقتي الذي كان مخصصا للمذاكرة أو التعلم.
  • أصبحت أسهر كثيرا
  • خسِرت الجلوس مع عائلتي.
  • أصبحت أقرأ طويلا لأخبار سخيفة ولا تهمني

ولو أنكِ لستِ موجودة يا حمقاء لم يكن لِهذا أن يحدث! كنتُ سأفعل وأفعل إلخ..

وأنا أعرف لمَ أنتِ متشبثة بي! لأني أتهرب من واجباتي اليومية بواسطتك ولأنك توفرين لي متعة مؤقتة وصداقات وهمية!

هذا هو الفهم، أن تفهم أبعاد المشكلة بكل تفاصيلها، ما أضرار هذه العادة؟ ولما اكتسبتها؟ ما الفائدة التي تقدمها لك؟ (هروب من الواقع، تفريغ إحباط، عادة مكتسبة من الأهل، إلخ).

أتذكر قصة مظلات لندن؟ هذه البداية، بدأتَ بالتفكير بعواقب العادة السيئة وضعفك أمام العنيد "المقاوم الذاتي" وهذا هو الوعي، وأردت التغيير لعادة أفضل، عندها يهاجمك العنيد ومعه المتعة التي تقدمها العادة السيئة، كمظلات لندن، يرمونك بالحصى ويسخرون منك.

ثانيا: الخطيط.

هل سمعتَ يوما عن حرب بلا تخطيط؟ أسمعتَ عن قائدٍ مُنتصر قال لرجاله: هيا يا شباب، الخطة هي: لا خطة!

بالطبع لن تسمع، لأنه لا يوجد مُنتصر يفكر بهذه الطريقة السقيمة!

أو سمعت عن شخص طلبت منه شركته خطة لزيادة أرباح الشركة خلال عام وجاء لمديره اليوم التالي قائلا: اسمع، الخطة أن نفعل كذا وكذا، احفظها أنت وقلها للبقية!

سيفصل حتما، فلا يوجد مُخطِط يُخطط في عقله دون ورقة وقلم تكون مرجعا له.

أتذكر قصة مظلات لندن؟ لابد أنه كان هناك رجلا يعمل بالتجارة لديه بعدَ نظر، عرف أهمية المظلات الشمسية وحاجة الناس لها،

كيف تحولت المظلات لمقتنيات أساسية في كل منزل؟ لابد أنه كان بارع التخطيط ليقنع التجار وأصحاب المحلات وعامة الناس بذلك.

أنتَ أيضا تستطيع، أنت أكثر شخص يعلم بأهمية التغيير وحاجتكَ له، ضع خطةً مراعيا فيها الآتي:

  • ضع أهدافكَ من التغيير، ماذا خسرت؟ وماذا ستكسب؟
  • المدة الزمنية للتغيير (يفضل مدة طويلة)
  • ميِّز بين العادات الضارة وشديدة الضرر وابدأ بالعادة الأقل ضررا.
  • لا تغير أكثر من عادة في وقت واحد إلا إذا كانت مترابطة.
  • قِس نشاطك لتلحظ التغيير (القياس بواسطة الكتابة ثم مراجعة ما كتب كل نهاية أسبوع=خصص دفتر لعاداتك)
  • كافئ نفسك بعد كل هدف أو مدة زمنية تحددها أنت مسبقا (المكافأة مهمة لرفع معنوياتك)
  • لا تنخدع بمن يقول تغيير العادات سهل، هو متعب فقط بالبداية.
  • راقب نفسك بعد مدة طويلة حتى لا تعود لعاداتك القديمة.
  • تذكر جيدا: التكرار يقللِّ المُمانعة.


خمسة أسلحة لتحطيم العادات السيئة:

1 - تنظيم النوم.

لم تتوقع مثل هذا السلاح أليس كذلك؟ هل حدث وأن نمت في النهار واستيقظتَ في الليل وجُّن جنونك في أي وقت ويومٍ أنت؟

نعم يا صديقي، النوم مهم ليشكِّل يومكَ كله، أتظن أنك ستستطيع أن تتخلص من عادة مشاهدة الأفلام والمسلسلات بكثرة وأنت تنام النهار وتصحو الليل مثلا؟

تذكر أن رسولنا عليه الصلاة والسلام دعا لنا: "اللهم بارك لأمتي في بكورها".

2 - البحث عن المعوقات.

  • بسيطة جدا، ما الذي يعيق اكتسابك للعادة الجديدة؟

تريد أن تقرأ وأنت تكره منظر الكتب الكبيرة؟ ابدأ بالكتيبات الصغيرة، تريد إنقاص وزنك ولا تستطيع مقاومة الأكل الذي يقدمونه أقاربك في اجتماعاتهم العائلية؟ خففَّ من زيارتهم أو أحضر طعامك الصحي معك، تريد ترك إدمان مواقع التواصل الاجتماعي ولديك في موقع تويتر أصدقاء كثر؟ قم بحذفهم ما المشكلة؟!

3 - المكان/الزمان

قد تُصاب بالدهشة عندما تعلم أن في ديننا الحنيف وضع الفقهاء شرط لقبول التوبة وهو "مفارقة الأرض" أي مغادرة المكان الذي وقع فيه الذنب إذا كان مُعين للتوبة.

المكان الذي تفعل فيه عادتك السيئة له ذاكرة، يكشفها لك كلما مررتَ من المكان.

تجنَّب قدر الإمكان العودة للمقعد أو الغرفة التي تمارس فيها عادتكَ السيئة، حتى تُثبِّت العادة الجديدة محلَّها في نفسكَ أولا.

كما أن الزمان فاعل مهمٌ كذلك.

استغلَّ الزمان والمكان بأن تجلس في مكان واحد وزمن واحد طوال فترة تغيير عادتك.

مثلا: اكتساب عادة القراءة؛ طوال المدة الزمنية التي حددتها في خطتك اقرأ ما بين صلاة المغرب والعشاء جالسا على سريرك.

المكان: سريرك.

الزمان: بين صلاة المغرب والعشاء.

  • ارتباط الزمان بالمكان يجعل تبني العادة الجديدة أسهل.

4 - الدعاء.

لا تستهن بالدعاء، وتذكر كلما ربطت عاداتك بعبادتك الدينية (صلاة/صدقة) كلما ازداد حماسك والتزامك أكثر.

5 - التدرج (السلاح الأخطر)

تريد أن تخفف من وزنك؟ أنقص من علب المشروبات الغازية بمقدار علبة واحدة في الأسبوع ثم أنقص أكثر كل أسبوع، وبقدر العلبة التي تُنقصها استبدلها بكوب ماء أو عصير.

تريد أن تقرأ؟ اقرأ صفحة واحدة أو أقل في الأسبوع، وكل أسبوع زِد عدد الصفحات.

تذكر، حتى بمراكز العلاج من إدمان المخدرات، يعطون المدمن جُرعة من المخدر يوميا ولكن الفارق؛ أنهم يخفِّفون الكمية دائما حتى يعتاد الجسد على تركها.

"أعراض الانسحاب"

ما يجعلك عالقا في فخِّ العادات القديمة تركها فجأة.

إذا كنتَ لم تقرأ أبدا يا عزيزي لا تظن أنه بمجرد ما تمسكَ كتابا وتقول سأقرأ عشرين صفحة اليوم غصبا! وقرأتها وظننتَ أنكَ أصبحتَ قارءًا وانتهى.

لن تكون.. إن استطعت اليوم لن تستطيع غدا ولا بعد غد، الحل الفعَّال هو التدرج.

بقدر ما تأخذ من العادة السيئة تُعطي العادة الحسنة وهكذا.

ثالثا: التنفيذ.

"أنتَ إنسان"

لا تتوقع أن أول تجربة ستنجح! كلما فشِلتْ كلما تأرجحت العادة السيئة كأنها ضِرس سيُقتلع، لذا لا تقلق.

أتذكر قصة مظلات لندن؟ هذا قراركَ الآن، أتريد أن تشتري مظلة شمسية؟ أم تبصق وتضحك وكأنك أبله؟

 

أخيرا؛ ستضع رأسك على وسادتك ليلاً لتتذكر مجريات يومك، وستشعر بالإنجاز! والإنجاز طعمهُ دائما لذيذ.

وخطتك الزمنية التي وضعتها يوما ما ستصل للنهاية وأنتَ المنتصر.

وسأذكرك للمرة الثانية وضعها كملصق على جبينك: التكرار يقللِّ المُمانعة.

شاركوني تجاربكم في تغيير العادات وأي سؤال يطرح في التعليقات سأجيبُ عليه بصدرٍ رحب.

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق