لا تسمح لهم بأخذ مكانك

لا تسمح لهم بأخذ مكانك

مدى التميمي

مدى التميمي

بتاريخ نشرت

هناك مواقف وخبرات من طفولتنا لن ننساها مطلقا، ليس لأنها سعيدة أو حزينة فحسب، بل لأنها تحولت لفكرة أو اعتقاد ننظر من خلالها لأنفسنا.

 تجارب الآخرين تُثريك، خاصة المقربين منك، لكن تجاربكَ وخبراتكَ الشخصية هي من تصقلك، من دونها أنتَ وعاء فارغ، لا تقوى على المسير.

الخجل من تجارب الطفولة كالطعن في خبراتك الأولية، والتهرب منها كالركضِ حول نفسك، لا سبيل للاستقرار لو تجاهلت قراءة ماضيك؛ خاصة المُزعج منه.

أنا أيضا في طفولتي خبرات كانت تؤرقني.

عندما كنتُ في دراستي -المتوسطة- كنتُ أتلقى الكثير من التعليقات المُزعجة -التي استمرت حتى المرحلة الثانوية- لأن صوتي ناعم ومنخفض جدا، وظننَّ الفتيات أني أتصنع وهذا استفزَّهن كثيرا.

تخيلوا الهمسات الساخرة خلفَ ظهري عندما أتحدث مع المُعلمة، وتخيلوا أيضا مشاعري عندما كنتُ أرفع صوتي أو أزيد من حدَّته فقط لأجاريهم ليصمتوا.

وهذا جعلني ألوم صوتي بعدها، كلما أخطأت بالكلام أو أساء لي أحدهم لفظيا، وحكمت على كل من سمع صوتي بأنه يعتقد يقينا أني مُتصنِّعة ومزعجة.

إنها عقبة كُبرى، عندما تعامل جزءاً منك بهذه العدوانية، لن تشعرُ بالراحة وسيتسع الدمار بداخلكَ قبل أن تقبضَ عليه وتقاضيه.

لقد أخذوا مكانك بالإساءة إليك، لقد اقتلعوا عينيك ونظروا بها إليك، لا نظرةَ المحب أو المصلح، بل النظرة التي تؤدي بكَ للهاوية، لا تنظر لنفسكَ من خلالهم، وإلاَّ انجرفتَ في وادٍ سحيق، اِستعد عينيك وانظر لنفسكَ من جديد.

 

بدايةً يجبُ أن تصحِّح الاعتقاد الذي غرسه فيكَ الناس عن نفسك عندما كنت صغيرا، وتقبلهُ ببساطة لأنه جزء لن يتغير فيك.

ثم تنتقل للمرحلة التي تليها:

اجلس أو ارقد على ظهرك، أغلق عينيك وخذ نفسا عميقا، ثم تخيل كرسيا أمامك، وأن الشخص الذي أصابك بالأذى جالس على الكرسي وهو صامت، تخيل كل التفاصيل، حجم الشخص وملابسه ووضعية جلوسه، وبينما ينظر إليك بترقبٍ وهدوء.. قل له كل شيء.

قل له كمية الأذى الذي سببه لك فعله الطائش، ومدى عمق الجرح الذي خلَّفه فيك طوال سنوات، وأنه فعلها دون أن يفكِّر بمشاعرك أو الدمار الذي سيلحقهُ فيك، قل له الموقف كاملا ثم ما حدث لك بعدها، وإن أردت البكاء فافعل.

انتهيت؟

سامحه.

قل له: أنت إنسان أخطأت بحقي بعمدٍ أو بغير عمد، ولا شيء يمكن أن يغير ما حدث، أنا أصفح عنكَ لأعيش بسلام وأبدأ صفحة جديدة، أنا أعقل من أن أنتظر منكَ التكفير عن ذنبك، لن أنتقم أو أثأر منك، كان خلافنا بالماضي وأنا الآن أسيطر على الحاضر، وأستطيع أن ألقي بغضبي وراء ظهري.

"أنا أسامحك" قلها وابتسم، ثم واصل النظر إليه حتى يختفي.

إذا شعرت بصعوبة الأمر خذ وقتا أطول، إن كان هذا الشخص ما زال موجودا في حياتك؛ قلها له مباشرة، طريقة تخيل الكرسي لإساءات حدثت في الماضي فقط.

-تذكر.. الشخص المُتنمِر يغذِّي حاجةً في نفسه بالإساءة إليك-.

(هذا المقال في ساقية سيساعدك أيضا)


مناسبة هذهِ التدوينة الارتياح الذي اجتاحني بعدما نقلتُ ما في جُعبتي من خبرات لعُمر -حفيد عمتي- ذا الثمان سنوات، إذ كان يشتكي صباح اليوم من تعليقات أصدقاءه في نادي الحي بسبب ازدياد لون بشرته سمرة من حرِّ الصيف، عُمر كان سعيداً بدعمي له، كان يحتاج لشخص يهوِّن عليه قائلا: حدث معي مثل هذا! أتدري ماذا فعلت حينها؟

أيضا، يجبُ ألا نزيح الجانب التعبدي من كل هذا:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ، وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ).

التعليقات

  • TAAM

    مسامحة من أساء لي صعِب جداً .
    1
    • مدى التميمي

      أنتِ على حق، مشاعر الغضب والكره من أبسط حقوقك الإنسانية، لذا لا حاجب لدعوة المظلوم -ولو كان كافرا-.
      لكن المشاعر السلبية قيد يزدادُ غِلظة كلما طال الأمد، مسامحتهم ليس معروفا لهم، بل من أجلك أنتِ فقط 🌷
      1

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق