"يافعة"

"يافعة"

مدى التميمي

مدى التميمي

بتاريخ نشرت

أريد نبتة خضراء لا تحتاج لرعاية مكثَّفة، وأحتاجها صغيرة الحجم وتعيش لفترة طويلة، ما رأيكِ بالصبَّار سيدتي؟ نعم أريدُ واحدة.

"يافعة" أولى بناتي الصغيرات، لأني مشغولة دائما اخترتها، طويلة ونحيفة، وأسقيها مرةً بالأسبوع، وضعتها فوق مكتبي وأحسست بقوةَ اللون الأخضر، لون الطبيعة المهدِّئ، كلما تشتّت ذهني تأملتها، ثم وضعت أناملي عليها أداعبُ وردها، يافعة تعرفُ كل قصصي.

عدتُ للمشتلِ بعد شهرٍ من شراءها، وأصبح لدى يافعة أخوات كُثر بحجم الكف، باسقة وجارِحة وخلاَّبة وفوَّاحة وشائكة وطريَّة، أصبحن سبعَ بنات، وزعتهن في أرجاء الغرفة، يقاسمنني نفسَ الهواء، اعتدتُ على وخزِ أشواكهن وتطاير أتربتهن، كنَّ بناتي وكنتُ أتحدثُ معهن،

- كيف حالكِ شائكة؟ هل تريدين تغيير مكانكِ طريَّة؟

كنَّ صويحباتي الصغيرات، ولا أدري هل أنا بهذا الكرم الذي يجعلني أتخلَّى عنهم وأسلمهم لأناسٍ آخرين كهدايا؟

- هذهِ هدية لك، صبارة اسمها خلَّابة، لا تغيري اسمها من فضلك.

فقدتهن جميعا ما عدا يافعة وباسقة، باسقة كانت أطول من يافعة، وأشدَّ منها اخضرارا ووردها أصفر، زارتني مرة فتون، إحدى قريباتي، أدخلتها غرفتي، وفي خِضمِّ الحديث حكيتُ لها عن صبَّاراتي وأني لن أهدي أحدا يافعة، 

قالت فتون: أعطيني باسقة، سأهتم بها جيدا. 

تخليتُ عن باسقة أيضا، وشعرتُ بالوحدة، وكلما أردت الذهاب وشراء صبَّار أشغلتني أمورٌ أهم.

النباتات ليست مجرد أدوات للإنسان خالية من الروح، مازلتُ أتذكر كلام جدي عندما نهاني عن الركضِ فوق الزروع، "أنتِ لستِ بحاجة للسير فوقها، دعيها تعيش".

وكم أعجبني تصرفُ والدة إحدى صديقاتي، عندما كانت تسلِّم لكل واحد من أبنائها نبتة ليهتم بها، وهو مسؤول عن شرابها وتقلباتها وسيحاسبُ عليها، الاهتمام بالنبات يعززِّ المسؤولية ويقتلُ الجزء الأناني فينا.

- (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها).

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق