نراها نصف حقيقة

نراها نصف حقيقة

ندى أشرف درويش

ندى أشرف درويش

بتاريخ نشرت

" نراها نصف حقيقة " ليست قصة أحداث وأبطال، وكان ياما كان .. بل قصة تروي عن " شعور " شعور متهور يمرض القلب، فبطل قصتنا هو " الشعور " كيف دخل على عدد من الأشخاص؟ كيف فتحوا له الأبواب على مصرعيها بدون وعى؟ فإلتهمهم وهوى بهم إلي طريق مجهول. فبالرغم من إختلاف الشخصيات وتعدد الأماكن وتفاوت الأزمنه، دائما كان هناك شيء مشترك، فأحداثهم بدأت بشعور لم يسبق، إلهام وغرق بدون وعى، وبعد فترة زمنية يبدأ الإصطدام بالواقع والإستيقاظ علي الحقيقة، فحزن وندم داخلي علي ما فات بدون جدوي، أو وقت ضائع، وربما إهدار لصحة. فأتتهم النهاية حتماً، نهاية بداية شعور مرضي بكل ما هو مضر، والإستسلام له، والأثر الذي تركه في حياة كل منهم، سواء في سلوكه، أو في حالته النفسية واحياناً البدنية وتفاعله في المجتمع، ليس بالضروري عزيزي القاريء أن تفهم قصتهم كان هذا مدمناً، أو كان مجرماً، مريضاً كان أم عاشقاً بوهم، ولكن يمكن أن تتعرف علي المراحل المشتركة التي مروا بها، فالشغف والمشاعر الصادقة لابد أن تكون سلم نحو الصعود، وليس مستنقعاً للسقوط، لكن علي اى حال، كانت ايضاً بدايات جديدة مع أنفسهم.. فدائماً هناك ما ينتهى ليبدأ ما هناك...

ظروف كتابة القصة

وددت عزيزي القاريء أن تتعرف علي ما وراء الكواليس، كُتبت تلك القصة القصيرة لتواجد كاتبتها بشكل يومي أغلب الأحيان بمكان دراستها الذي شارعه اشبه بالملهى الليلي، وإن كان الملهى الليلي تحكمه بعض القوانين المزيفة، لكن هناك بهذا الشارع، لم يكن هناك حتى قانون واحد أو حَدّ يوقفه، كل شئ مباح ومتاح! شبابهم معظمهم ضائعيين، متأملة فيهم الطرق المختلف أنواعها وظروفها التي أفقدتهم فطرتهم السليمة وعقولهم؟ قلقة كثيرا عما يمروا به، متمنيه لهم الخلاص. وكان لروائح الدخان من كل نوع، وأصوات الموسيقى والضحك العالى أقرب وأعلى مكاناً للتأمل من أن ترفع عيناها وتتأملهم لترى ما بداخلهم.

الإختبارات الحياتية اليومية من الله، تُبين لنا أننا جَمِيعُنا نمتلك نقاط ضعف، نَهوى ونسقط ونميل، ونقاوم ايضاً، ونقف مجدداً على أرجلنا، فمنا من يقاوم ضعفه، ومنا من يترك نفسه ليهوي ويهوي حتى يذهب بعيداً، لذلك جاءت تسميه القصة بنون الجمع " نراها نصف حقيقة " وإن كنا لسنا متشابهين في مستوى الضياع ولكننا على اى حال نضيع جميعنا قليلاً على هذه الأرض لنستفيق كثيراً.


غَرَّق البدايات

البدايات دائماً عمياء، لا تُطلٍعنا على ما وراء ستائر المسرح، عادة ما تنتابنا مشاعر صادقة في مختلف الحياة، نتجه إليها لصدقها بداخلنا، منها الصحي ومنها المرضي، بلا شك أن الصحي هو كل ما رفعناه إلى مستوى أسمى في الإنسانية، فإنه لن يؤذيك، بل إنه يُنمي بداخلك جزء جميل، مثل المشاعر الصادقة التي بينك وبين حيوانك الأليف، حبك لوالديك، وربما ايضاً حبك لعملك، أو ربما مشاعرك الصادقة تجاه روحك وسلامه نفسك... إلخ. لكن كلما أنزلناه إلى مستوى مرض النفس، كلما كان مؤذي ويجب التخلص منه، لأنه يشبع النفس ولا يغذي الروح، وإن كان شعوره حقيقى بداخلك، فسيعلمك درساً قاسياً لن تنساه، وأهلاً بك في عالم جديد مختلف ستشعر به داخلك، سيعلمك الدرس القاسي رغماً عن أنفك، لأنه تيار معاكس للسلام النفسي والروحي، تَدهَسُ فيه على قلبك وعقلك لتصل إلى سراب، سَيُغَيرُك، ويترك أثره فيك، وإن رفضت التعلم وغَرقِت في آلامه، فسيخطفك خطفاً موحشاً، فما هو إلا مثل الأكل بشراهه لحبك للأكل الضار، وبعد الشبع ما ترى إلا النتائج السيئة.

عادة ما تظهر البدايات سليمة وغير متوقع ما ورائها، لذلك يدخل الشعور مختلساً على النفس، يتلاعب على العقل، ويظهر ما في ظاهره من جمال، عرف أن الهوى سيفتح أبوابه ليبدأ ببث السم في القلب حتى يمرض، خبأ ما وراءه من قبح ومساؤ، زين وزين .. فمنهم من ظهرت علامات الإستفهام في عقله، وبرر له قلبه متحداً مع هوى نفسه، كالمدخن في بداية تدخينه، للعادى ثم إلى الأخطر والأخطر، الخطوات تكون صغيرة، غير واضحة، واحدة تلو الأخرى بإبهام، لا تشعرك بمدى الغرق، حتى تصل لمرحلة الغرق فعليا ويصعب حينئذ الرجوع. لذلك يحركنا الشعور ان كان قويا وصادقا، ولكن السؤال، إلى أين يحركنا؟؟ يحرك انسان سارق نحو متعة كثرة الفلوس أو محب للأكل نحو كثرة الأكل والأمراض التي تليه، بالنسبة لى لا يفرق الوضع كثيرا سوى في مستوى خطورته، ولكن تظل المراحل مماثله ، أو نحو عاشق بوهم رأى حقيقة ما هو فيه ولكنه مستمر حبا في استكمال الهوى. كان دائماً هناك مكان للتشتت أثناء الطريق بين المرض والمعافاه، فمنهم من كان متهور ألقى بنفسه بدون وعى، بدون مقدمات، قفذ بدون تردد، فإنخدعوا.. إنخدعوا بمظاهر جمال الدنيا الفانى، الذي مثله كمثل الورد المصنوع من البلاستيك، هو جميل، شكله جميل، ولكن خالى من الروح.

وعندما يتمكن الشعور ويستقر في القلب يبدأ الشغف والغرق ليفقدهم القدرة على التفكير العقلاني والتدبر، ففقدوا مرحلة التوقف، أصبح جميعهم عُمْيَان العين والقلب، يسقطون بسرعة عالية، لا يدركون مفهوم العواقب ولا أثرها، لأنهم إن كانوا يدركوها إدراكاً، ما دفعوا بأجسادهم وبجوارحهم فيما وسوست إليه أنفسهم. يرفضون الحقيقة الكاملة من عنوانها، هم جهلاء بها كثيراً، ربما لأنها كانت تحتاج لجهد ومقاومة؟ من قال أننا خُلٍقنا هنا على الارض لنرتاح يا صديق؟ نحن على الأرض، أرض يسمونها دار البلاء وأرض إختبار والمسمى العام المتعارف عليه " دُنيا " تأتى من الدنو، لابد من المقاومة والجهد. لربما ايضاً كانت حقيقة هذا الشعور المرضى غير واضحة؟ على الأغلب لا تكون الحقيقة واضحة بما يكفى لرؤيتها، تتطلب أحياناً السعى والتفكير العقلانى ومقاومة النفس، دعونا نتفق أنه لن يعتصم الإنسان من الأخطاء ولو وقف جامداً متحجراً فسيظل " إنسان " يملأه الشعور والشغف وفضول التجربة، سيميل.. سيميل حتماً، ولكن لا تنسى أن ترجع يا صديق وإن ترائا لك في منتصف الطريق مساؤ هذا الذي سيرت نحوه.

هى سعادة مزيفة للحظات، وتفكير وشعور بالذنب لفترات، لقد مرروا بإحساس الحماسة وفي نفس الوقت الخوف، القوة وفي نفس الوقت الضعف، لا يستطيعون تفسير ما بداخلهم.. دائماً كان هناك جزء مظلم لا ينير، شئ ينقص رغم أنهم يفعلون ما يريدون. فهم يمرضون عبثاً بحالهم.


إصطدام وهروب

 بعد فترة من العبث بالحال، تبدأ مرحلة الإصطدام بالواقع عندما تتم عملية الإستفاقة بموقف قاسى أو ألم عنيف، ذل قاتل أو شعور بملل، يبدأ الشعور بأخذ مسار أخر معاكس، يتحول مع إختلاف موقف الإصطدام، يرجع بمؤشره من الصعود إلى الهبوط، ومن الحرارة إلى البردوه، منهم من رأى الأشياء وعكسها في آن واحد، لأن شعورهم أخذ المسار المعاكس. قال أحدهم موضحاً : " كان صوت نفسى دائماً عالى، زينت كل قبيح أمامى ".

 عند بداية الصدمة، يحاول جميعهم الهروب متمنيين الخلاص، كلٌ منهم يهرب بطريقته، منهم من يبحث عن شئ يُنسيه، ويظل للصمت مكان في روحه، ومنهم من يرقد.. ويرقد ولكن مثل بقيع السراب لا جدوى ولا راحة، وفى أخر الطريق يرجع إلى هنا ولكن ليس بسليم، وآخر يعند ويقسو على نفسه ويظل يعاقبها إلى فترة كبيرة، وربما كان العقاب هو أن يستمر في أخطائه، وربما تكاسل للمقاومة، وما يفعلون من شئ من ذاك الإ الغرق.

 المرحلة التي يسمونها بالصمت الطويل، التكاسل، الإكتئاب، كل ذلك يسيطر عليهم في الوحدة بطريقة مبالغ فيها، لم يعاودوا الإهتمام.. لم يعد أحد منهم يبالى، لقد عَلِموا حقيقة الأرض، حقيقة أن كل شئ جميل فانى وليس ثابت على مدى جماله، وايضا في باطنه سئ لما يترك بشعور الذل والاحتياج، ولا يتمشى مع الفطرة السليمة التي ترفض بطبيعتها كل خطأ مكروه مضر، وإن هَوَت النفس إلى ذلك، ستظل ترفضه الفطرة ويبدأ دور الضمير الذي لا يهدأ عن العتاب.

 هو جزء منير معرفة الحقيقة فكلما كان الدرس قاسي، كلما كانت الحقيقة أوضح، ويتطلب الإفاقة والسعى لرؤية واضحة أكثر، فإختلفت درجة إستيعابهم وإفاقتهم، ما أرادوا التصديق، فقط الهروب مما هم عليه، قالت أخرى موضحة ذلك الشعور: " شعرت فقط برغبة شديدة في الإبتعاد .. الإبتعاد حتى عن عالمى الخاص، حتى ما أشعر به، أريد الإنسحاب من نفسى مثل ترك الجسم يقع في عمق من الماء، يغرق ويغرق إلى أسفل، أرغب بشدة الإحساس بذلك، فما أرهقنى هو الإحساس أننى أشعر من فترة بعيدة بدرجة حرارة دمى، وخفقان قلبى عند الحزن، نبضته، كيف تنبض فتؤلمنى جسدياً من ألم نفسى. أريد أن أهرب من تلك اللحظة، لحظة الحزن تلك، هذا الشعور بالفجوة الداخلية التي لا يملأها سوى الحزن. " ليس الأمر سهلاً، ظل الشعور يستنزف منهم ويأخذ كل الطرق، حتى أصبحوا على العدم، يطمعون في راحة مماثلة ولا يجدون، عبرت إحداهن أن في يوم ملئ بالجهد الذهنى والاحباط، إحتياج للراحة غير عادى، كأن لم تذق الراحة قط، وإحتياج لوحده بلا تفكير، قالت : " نظرت إلى أعلى ما رأيت نفسى غير أننى أتمنى الجلوس على تلك السحابة البعيدة، أراقب ما أراقب، أستمتع، أتمنى قليلاً من الهدوء الداخلى." التفاصيل التي باتت تملأهم وغزت حياتهم، وربما شعور لم يسبق، اختفى، فيظل مكانه جانب قاتم، ويتواجد هناك إستياء دائم، وبالطبع تفكك تام للذات. والتفكير، وما أدراك ما التفكير الزائد عن حده مع إختلاف طرقه، بكل صورة مؤذى، ويؤدى للجنون إذا لم يمشى في مساره الطبيعى.


عقلك يحكم

" لا تقتلوا أنفسكم بالحزن فهو قاسي جدا علي النفس .. دعونا نحزن حتي نفيق لا حتي نغرق مرضاً في حزننا. "

لم يتصالح هذا الشعور المرضى مع بقيه أحشائه، لا العقل ولا القلب ولا حتى هوي النفس، لم يتصالح معهم منذ البداية ليوجهه توجيهاً صحيحاً، وبالطبع الحلقة المفقودة هي الوعي. وإذا كان هناك دافع قوى للنجاه، سيكون حتماً هناك مكان للمقاومة والبحث، حباً في التخلص، وسعياً في التغير للأفضل، فالعقل هو من يقرر بعملية الإستجابة أو الرفض للخطأ والصواب، على حسب الأفكار والمبادئ والظروف الحياتية، وإلا سيتواجد هذا الشعور المرضى أليف بالنسبة لهم. والمغامرات المتهورة الغير محسوبة التي يدخل فيها الشخص بعشوائية، ربما تلك لها خسائر أكبر من مكاسبها، على عكس المواقف التي نمر بها رغماً عن أنفنا، للننضج ونفكر، لأن القدر يريد أن يُرينا نحن فقط شيء يفرق معنا نحن فقط أيضاً.  

 يروى احدهم: " كنت اوشكت على الوقوع فطلبت المساعدة كنت احتاج لأحدهم ان يساعدنى انهض مما انا فيه وابدأ بداية جديدة مع نفسى وحدك القادر على تخطى الصعاب ووحدك من يشعر بالألم وحدك من يغرق، إذا لم تقرر النهوض وحدك ستغرق، قال : " إذا تجاهلت بما اشعر من حقيقة بداخلى، وتابعت حياتى، يسكن الحزن في نفسي وروحى ويؤثر على جسدى بالمرض، يحترق ما بداخلى كلما زاد الكلام بلا جدوى.. لابد من خطوة.. فقد كنا نلاحظ الأخطاء فنقسو على أنفسنا فنزداد سوءا ويظل ويعم الصمت ولا شئ... لاشئ سوى الصمت، ونسينا اننا بشر، وحده من يفقد الأمل هو الذي يغرق ويخسر.. وعقلك يحكم. "

ومن هنا لم ينتقل جميعهم من مرحلة الإصطدام والهروب إلى مرحلة النجاة والتصالح مع النفس، منهم من وقع في المنتصف بفوضى عارمة مع هذا الشعور المرضي، ترك نفسه للرياح بإتجاهتها، وآخرون لم ينسوا أن يحاولوا الرجوع بإيجابية على الرغم من الخطأ، وإن لم يصلوا بعد.

 فالأكثر غَرِقُوا في مرحلة التشتت والهروب، ويبقى الوضع معهم على ما هو عليه لفترات من الزمن، حتى يحدث ما يحدث، أو ربما لا يحدث شيء إن تقوقعوا في هذه المرحلة، رافضيين الخروج منها والشفاء، واصليين إلى مرحلة الحائط السد، والحائط السد هو نهاية عملية الإفاقة التي يمر بها الجميع، تأتى بمواقفها المختلفة والمتعدده، منهم من يتجاهلها ويكمل فيها حباً لإستكمال الهوي، ورغبة في الشعور هذا مرة أخرى مع علمه التام بحجم الأذى الذي لحق به من قبل، ومنهم من يتوقف وينتبه، لأن تلك المواقف لها عمر إن لم تنتبه إليها، لن يتبقى لك من الرصيد الكافى لتفوق إفاقة لطيفة وليست إفاقة عنيفة وقاسية أو ربما إفاقة تنتهى بموتك وحينئذ يكون " قد نفذ رصيدكم. " ويصلوا إلى هذا الحائط السد، فهل من مستجب؟

وكلما كان هناك مكان للتأخير، كلما كان للخسارات اماكن، وإن كان هناك في البدايات خسائر يمكن تداركها وتقبلها والتصالح معها، لن يتوافر هذا بعد ذلك وعقلك يحكم.

 قال أحدهم : " بحثت عن المساعدة لأنجو بنفسى بعد المرور بمواقف عصيبة ومهينة، لم استطع العيش مع الضياع ووقوع الكوارث حتى أفيق، أخذت بيدي لبر الأمان، ولم أخجل من طلب المساعدة، ولم أنسى بالطبع انتقاء المساعد الجيد، لقد كنت منهك من مئات الدفعات بعيدا ومئات السحب قريبا ولكن كنت في مرحلة اريد النجاة. "

 جميعنا نملك الضعف والقوة ونمر بالضعف لندرك القوة، من منا ثابت ومن منا مع مدى قوته لا يقع؟ لا أحد، لذلك الصراع الداخلى قائم .. والنفس ستزال تقاوم.

 

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق