من الطل إلى الرمل!

الـسـمـو

الـسـمـو

حزن تشعر بالحزن، بتاريخ نشرت

لم أكن أتصور في صغري عندما كنت أخرج من بيتنا لأسير أميالاً تداعب خصلات شعري نسائم باردة وتبلل وجهي حبات الرذاذ.. أسير مبتعدة عن البيت لاستمتع بمنظر الضباب وهو يحجبه رويداً رويدا حتى يختفي.. ثم أقطف من تلك الزهرة الصفراء التي نسميها ( عسيلا) فينتشر الندى عليها كأنما أهريق عليها من ماء زلال،،  لأمتص  رحيقها الذي يشبه العسل في طعمه بيد أنه أخف حرارة وممزوج بنكهة عطرية هادئة،، لاتزال نشوة مذاقها في الجزء الجميل من ذاكرتي  ...

لم يدر في خلدي يومها أنني سأعود لتلك الذكرى بهذه الحرقة، وهذا الوضع المحترق .. فقد كنت في نعمة القرية الريفية الهادئة الباردة؛ ثم دارت الأيام والأقدار لأجدني في مدينة تترس بكثبان الرمال وتتنفس الغبار ورغم سعتها الصحراوية إلا أن مساكنها تتزاحم بجدران خرسانية، لا منفذ فيها حتى للشمس،،! 

نحارب حرارة جوها، ببرودة (المكيفات)، فندفع مع أثمان الفاتورة النقدية.. جزء من صحتنا وقدراً لا يستهان به من قوة أجسادنا وعظامنا.. من نشاطنا وحيويتنا ... ولاحول ولاقوة إلا بالله! 

لا مجال للخروج للمتعة إلا في زحااااام شديد، لم أعتده ولا أحبه ولن أحبه .. اتسأل وأنا في زحام السوق وفوضته وإزعاجه أين المتعة، مالأمر الجميل هنا! مالسعادة المرجوة في هذا المكان؟ أوليس الرسول ﷺ أخبرنا أنه مقر الشيطان...! 

ثم ابتسم في داخلي وأحثها أن لاتذكرني بأن هذا المكان بأبعاده كلها جاء في الصحيح أنه قرن الشيطان :) 

أعوذ بالله من سوء المنقلب.. 

كنت في طفولتي تلك الجميلة أتمنى لو أمشي على الرمل حافية، لكن لم أرسم الإطار كاملاً في مخيلتي،،، فقط أمشي في الرمال لم أرفع عين الخيال للسماء ولا إلى المحيط لم اتصوره خالياً من الجبال والغيوم،، لم اتخيله أجرداًِ من العشب لم أفكر في مايلامس خدي هل هو طل ورذاذ أم فيح وذرات تراب ولم ولم... لكن كل هذا لا يهم الآن أتعلمون ما المؤسف؟! 

المؤسف أنني جئت لأكبر منطقة صحراوية في جزيرة العرب لأجد حتى الرمال محتكرة،، تحيط بها سياج حديدة  وفي كثير من الأحيان خرسانية.. ومانجى من التحويل لمخططات عقارية، حول أغلبها مؤخراً إلى محميات ملكية ! ولا عزاء للفقراء المهجرين أمثالي :) 

لكن مع ذلك لا أخفيكم أن في هذه المدينة الصحراوية أماكن تأسر فؤادي ... المكتبات العامة والتجارية ومكتبات الجامعات الكبرى?تحلق روحي فيها وحولها ،، 

عزيت نفسي في البداية أن تحقيق الطموح يستلزم تضحية، لكن ما إن أنهيت دراسة الماجستير حتى تردت نفسي وتعب جسدي وأدركني المرض الخبيث، وأحوجت مجدداً للبقاء هنا من أجل العلاج..! وأرجو عما قريب أن ألتحق بدراسة الدكتوراه لأواسي نفسي بها حتى يأتي الفرج إما بارتحال إلى تلك الجبال وجمالها،، أو إنغماس في هذي الرمال وألحادها ...! 



التعليقات

  • ومضة

    شفاك الله وأبعد عنك كل مكروه
    ..
    حياتك ليست بهذا السوء حقا
    لازلت اتمنى العيش في الصحاري ، في الارياف ، بعيدا عن زحام المدينة
    ربما حياتك هناك من اكبر امانيي .

    في أمان الله
    1
    • الـسـمـو

      سلمك الله ،،،
      للأسف هي لم تعد صحراء بالمعنى فهي العاصمة الآن ويتمدد عليها الأسمنت والأزفلت وتطوقها الحيطان والسيجات الحديدية والخراسانية .... الصحراء لا تصلح إلا صحراء ..! 😔
      بينما بيئتي الأصلية أرياف ومرتفعات جبلية .. لذلك يصعب التأقلم مع الانتقال 💔
      0
  • Mo Ri

    شفاك الله
    1

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق