رحلةٌ إلى المملكة العربية السعوديّة.. عبادة وروحانيّة وأمور أخرى

عروة عزام

عروة عزام

سعادة يشعر بالسعادة، بتاريخ نشرت

وصلتُ قبل أيام دولتي فلسطين بعد رحلة دام عمرها قرابة الأسبوعين تقريبًا في ربوع المملكة العربيّة السعوديّة (والقليل من أنحاء المملكة الأردنيّة للمرور بها في الطريق إلى السعودية) لأداء مناسك العمرة.

سأنشر لكم ملخصاتٍ لما حفظته من رحلتي وخروجي من فلسطين لأول مرّة في حياتي، وبضعة همساتٍ عن الرحلة.

تعاقدنا مع شركة للسياحة والسفر لكي تنقلنا بالباصات -أي الحافلات- إلى المملكة السعودية، وضّبنا أغراضنا وأوصلنا مدير الشركة بنفسه إلى الجسر، وكي أوضّح لكم أكثر، سأذكر جميع المحطات التي نمرّ بها في رحلة الذهاب فقط على شكل مخططٍ سهميّ:

قريتي --- مدينة أريحا --- الحدود الفلسطينيّة --- الجسر اليهودي --- مدينة الحجاج (أي الحدود الأردنية مع فلسطين) --- الحدود الأردنية مع السعودية --- حالة عمار (أي الحدود السعودية) --- المدينة المنورة --- مكة المكرمة --- جدّة. يتخلل المسار بعض الوقت للاستراحات

أنجزنا إجراءاتنا على الحدود الفلسطينية والصهيونية بسهولة تامّة، دون أدنى مشاكل تذكر، لكن عندما وصلنا مدينة الحجاج الأردنية، كانت المدينة -ولأول مرة في تاريخها- غير منظمة بشكل لا يوصف، كانت أكثر من 160 حافلة تنتظر دورها ليتم ختم جوازاتها والمضيّ، لكن الموظفين أخذوا كامل الجوازات من كل الحافلات، ولم يتم إنهاء إجراءات أي من الحافلات إلّا بعد مرور أكثر من 14 ساعة على جلوسنا في مدينة الحجاج.

مشينا إلى حالة عمّار السعوديّة، حيث كانت الأمور منظمة للغاية وبصورةٍ مذهلة كالبلاد المتقدّمة، ويعود ذلك لامتلاك الدولة المال الكافي لشراء أجهزة تفتيش حديثة وعلى مستوىً عالٍ من الجودة.

جلسنا قُرابة الأربعة ساعاتٍ في حالة عمار حتى انتهت إجراءات كل ركّاب حافلتنا، فوجهنا أنظارنا صوب المدينة المنوّرة، توقفنا قليلاً على استراحة في مدينة تبوك صاحبة غزوة تبوك الشّهيرة، فتناولنا غداءً سعوديًا يتألف من الأرز البخاري ولحم الإبل، وصلينا الظهر والعصر جمعًا وقصرًا، لنتمكن من وصول المدينة في أقلّ وقتٍ ممكن واللحاق بعشرات الحافلات التي سبقتنا.

وصلنا للفندق الذي حجزت لنا الشركة به، اسمه "فندق المدينة هارموني" ويقع في منطقة مركزية الشّمالية من المدينة المنورة، أثناء وصولي للمدينة لم أستطع تحمّل نفسي، "أنا في المدينة المنورة؟ أنا في مهد الدين الإسلامي؟" تساءلت بيني وبين نفسي.

قضينا مدّة يومين في المدينة المنوّرة -كنا قد اتفقنا مع الشركة على أن نقضي ثلاثة أيّامٍ لكن بما أن الحافلة تأخّرت ذهب هذا اليوم من محفظتنا-، وددت أن نقضي وقتًا أكثر لكن ما باليد حيلة، في آخر يومٍ منها، ساعدنا مدير الحملة من الشركة في الدّخول والصلاة في الرّوضة الشريفة، وصليتُ ما يقارب الأربع ركعاتٍ داخل الرّوضة بفضل الله وكرمه. ذهبنا بعدها في طريقنا إلى آبار علي (ميقات أهل الشام) وفيه يُحرم الناس حيث يلبسون ثياب الإحرام وينوون الإحرام عبر القول في القلب أو صلاة ركعتين، بعدما انتهينا توجّهنا لأمّ القرى، وصلنا بعد صلاة العشاء، ولا أودّ أن أحدثكم عن الروحانيّة التي شعرتُ بها عند الوصول لمكة؛ فقد كانت أكثر بأضعافٍ مضاعفةٍ من المدينة.

صلّينا المغرب والعشاء جمعًا وقصرًا، وارتحنا قليلاً في "فندق صفوة الضيافة" المحجوز فيه غرفٌ لنا، لنبدأ بعدها مناسك العمرة الممتعة غير المرهقة. العُمرة شيء رائع فعلاً، فما لبثنا شيئًا إلّا والطواف حول الكعبة منتهيٌ، وما أن دلفنا قليلاً بالسّعي بين الصّفا والمروة حتى انتهت الأشواط السّبع، وهكذا يتبقى علينا الجزء الأخير من العمرة وهو "الحلق أو التقصير"، ذهبنا لصالون حلاقةٍ وحلقتُ شعري على الصّفر -أي أصبحتُ أصلعًا تقريبًا-، وكانت بالفعل تجربةً جميلةً.

قضينا باقي أيّامنا في مكة نتعبّد الله، ونذهب للتّسوق قليلاً تارةً، ونطوف الكعبة مع الطّائفين تارةً، فالوقت المُحدد من الشركة للبقاء في مكّة هو ستة أيامٍ تقريبًا، لكن حافلتنا اتفقت بالإجماع على تخصيص يومٍ من هذه الأيّام للذهاب معًا إلى مدينة جدّة، التي جعلتني أعيد إيماني بأنّ هناك ما يُدعى "هواءً" في السعوديّة.

تتسم جدّة بنسيمها العليل، وبناياتها الشاهقة، وساريتها ونافورتها، وبحرها ذي الموج الحنون، وسمكها الطيّب الطازج، وأسواقها ومولاتها ذات السّلع الرائعة.. ببساطة، جدّة هي باقة الاستجمام السعودية المركزيّة. كان يومًا رائعًا قضيناه هناك، ابتعدنا فيه قليلاً عن التعب المستمر واستجممنا قليلاً لنعاود عبادتنا.

عند حلول موعد خروجنا من مكّة، قال لنا مُدير الحملة أنّ الانطلاق بالرحلة من مكة إلى الديار سيكون في الساعة السابعة من صباح يوم السّبت. وفي الساعة الحادية عشرة من ليلة السّبت، وبينما كنّا نُهاتف أقاربنا عبر الإنترنت، أُخبرنا أنّه علينا الانطلاق في منتصف الليل، أي بعد ساعةٍ من الآن، يا إلهي! لم يصدق الجميع الأمر، لكننا وضبنا أغراضنا تمامًا ونزلنا لنكون أول المنتظرين من ركّاب الحافلة.

عندما جاءت الحافلة صعدنا وحجزنا مقاعدنا التي جلسنا عليها سابقًا، وعندما حُلت المشاكل طِرنا بفرقعة أصبعٍ، فلم يعد هناك شيءٌ مهم حتى وصولنا للحدود الأردنية مع فلسطين؛ فلأننا وصلنا مساء يوم السّبت، لم يكن الجسر اليهوديّ يعمل -هم يعطّلون أيّام السبت- واضطررنا للمبيت في مدينة الحجاج حتى أتى الفرج وفتح الجسر اليهوديّ أبوابه بعد أكثر من 12 ساعةٍ، أعطانا الموظفون الأردنيون جوازاتنا المختومة وانطلقنا، وعلى الجسر الصهيونيّ تفككت حافلتنا، وهُنا على كل شخص أن يتحلى بالشجاعة ليكون بمفرده، تم تفتيش أغراضنا بنجاحٍ ودخلنا لنختم جوازاتنا مرة أخرى، فعلنا ذلك بشكلٍ سليم تمامًا إلّا مع وجود بعض العقبات التي واجهت أبي لأنهم أخذوا عسلاً اشتراه إلى المختبر ليفحصوه.

وبعدما قطعنا الجسر اليهودي كان قريبٌ بانتظارنا هو وسيارته الخاصة، فوضعنا وذهبنا إلى البيت ســالــمــيــن غــانــمــيــن.

وهكذا أكون قد أنهيتُ قصتي، قد تكون مملة بعض الشيء لكنني حاولت إضافة الأكشن عليها ما استطعت.

همسات:

  • السفر بالباص مع أنّه قد يكون متعبًا، إلّا أنه ممتعٌ للغاية وإذا زادت المشقّة زاد الأجر.

  • الحافلات التي كانت تقلّنا رائعة للغاية، ومزوّدة بأعلى وسائل الراحة.

  • تأخرنا كثيرًا في مدينة الحجاج الأردنيّة، فجلسنا فيه إجماليّ ما يقارب 27 ساعة من الانتظار وعدم فعل شيء.

  • لاحظتُ أن تعامل جيش السّعودية معنا مرحٌ وأفضل بكثير من التعامل السيء للجيش الأردنيّ.

  • فندق المدينة المنوّرة "الهارموني"، أفضل بكثيرٍ من فندق مكة المكرمة "صفوة الضيافة" من ناحية المميزات، مع أن كلاهما حاصل على تقييم خمسة نجوم.

  • الخدمات والنظافة في المدينة المنوّرة بشكلٍ عام أفضل بكثيرٍ من مكة.

  • الأسعار في المملكة السعوديّة غالية وأغلى من أسعار فلسطين (كما لم تكن من قبل)، وذلك لأن الدولة أضافت ضريبة على السلع.

  • انقلبت معدتي من تناول الطعام الجاهز هُناك، وما أن وصلت بيتنا حتى تقيّأت كل ما بداخلي.

  • رأيت في المدينة المنوّرة هنود وباكستانيّين أكثر من العرب، وكنت أفرح عند رؤية عربيّ لأنني لن أرَ أحدًا مثله إلّا لوقتٍ طويل.

إن وصلتَ في حد القراءة إلى هُنا، فجزيل الشكر لك على حُسن إصغائك، وأتمنّى للجميع أن يزوروا تلك الدّيار المقدّسة حاجّين ومعتمرين.

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق