عمو نبيل

روضة عثمان

روضة عثمان

بتاريخ نشرت
بعد سنواتٍ عجافٍ من فقد الاهتمام والشغف بالرسم، ها أنا هنا من جديد، أمسك بفرشاةٍ بعد رحلة سبعة عشر سنةً من الضياع.

وصلني إعلانٌ ذات يوم عن ورشةٍ مجانيةٍ للرسم، ذهبت بخطىً متثاقلة، تائهة ووحيدة.  استقبلني رجلٌ طويل القامة، نحيلٌ كقلم رصاص، بشوش الوجه. يطلب مني أن أعرف بنفسي "من الفنانة؟" كان وقع مناداتي بالفنانة مفاجئاً كهزيم رعد. كان لقب فنانة كبيراً علي، ولكم أحسست أنه بعيد المنال. كنت أصعد الدرج بتردد حتى وصلت الصالة التي تقام فيها ورش الرسم. كان هناك العديد من الناس الذين يعرفون بعضهم، أو يتعرفون على بعضهم. وفي تلك الزاوية كنت أنا أراقب وأترقب اللحظة التي أنهار فيها بالبكاء لمجرد أني أحاول أن أرسم وأجد نفسي فاقدة الإلهام.
تقدمت للحديث معه بوجود مشكلة صحية في يداي، فهما ترجفان طوال الوقت، فلو أنني أمسكت قلماً لرسم موجاتٍ كمقياس رختر. قال لي: "عندما تمسكين الفرشاة، ستدخلين جو اللون، ولن يكون لديك مشكلة". لست أفهم هذا الكلام الإنشائي، لكنه طمأنني بأنه يعرف خطاطاً لديه نفس المشكلة، وذلك لم يعقه.
عرفت لاحقاً أنه من الفنانين المعروفين ويعمل رئيساً لقسم الفن التشكيلي والخط العربي في هذه المنشأة. كان اسمه نبيل، وهو في الحقيقة نبيل. يسعى لنشر الفن بإقامة ورش ودورات الفنون بأسعار رمزية أو حتى بالمجان.
مضى يومي الأول وأنا أجول بين الفنانين أراقب بإعجاب طريقة مسكة الفرشاة وخلط الألوان. كنت كفتاة تنظر من ثقب الباب إلى الشاب الذي يطلب يدها في الغرفة المجاورة. مشاعرٌ مختلطة بين القلق والأمل، والخوف من خيبة الأمل.
وأخيراً وجه أحدهم سؤالاً لي: لماذا لا ترسمين؟
لم أكن أعرف الإجابة حقاً، لماذا أنا هنا، ولماذا لا أرسم، بل لماذا أرسم. أجبت بأني جئت لأرى المكان أولاً وآتي للرسم غداً لأن لا وقت لدي الآن فلدي موعدٌ في المستشفى. إن مواعيد المستشفيات هي عذر من لا عذر له للهرب. وحالاً اتصلت على المستشفى لأخذ موعدٍ أجلته كثيراً.
خرجت من المكان كما دخلت، قدماي بالكاد تحملاني، دقات قلبي كفتاة يسألها أبوها هل هي موافقة على العريس. استرجعت كل ذكريات طفولتي وأنا أرسم أي شيء في أي شيء وكل شيء، وكيف اختفي شغفي بالرسم تدريجياً. وحين كنت أجبر نفسي، تظهر قطرات ماء على ورق كراستي. ويزداد هذا المطر رغم أن السماء صافية.

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق