رجل يبكي ... على مسلسل!

رجل يبكي ... على مسلسل!

طارق الموصللي

طارق الموصللي

رضا يشعر بالرضا، بتاريخ نشرت

س. لماذا سأكتب -قدر ما أستطيع- ضمن هذه المنصة؟

هذا السؤال مهم جداً، و ستدركون السبب مع مرور الأيام.
بعد هجرتنا من سوريا، بحثت ضمن حقائبي عن صفحات كتبتها في بلدي: يوميات مؤرخة تحكي عن مشاعري الحقيقية في ذلك الوقت. لا أعتقد أنني ضحية الزهايمر (فما زلت أذكر الكثير عن أيام طفولتي و مراهقتي) لكنني ضحية .. السرقة!
لقد تعمد أحدهم عن سرقة ذاك الماضي حين أتلف تلك اليوميات، و قائمة المشتبه بهم قصيرة تحوي: والدتي و أخواتي. لكنّي لن أتقدم بشكوى للشرطة الأدبية.
على أي حال، بفقداني لتلك الأوراق فقدت القدرة على مراجعة أخطائي و تتبع مدى التطور في شخصيتي الذي طرأ نتيجة هذه الغربة الحمقاء.
و لذا، سأكتب هنا (إلى أن يموت أحدنا: الموقع أو محدثكم).
نبدأ مع بداية اليوم، و هي مع صلاة الفجر كما إعتدت أن أضبط يومي.
بدأ اليوم بالبكاء! لا ليس بكاء أطفالي (فهذه نغمة متواصلة مستمرة كمحطة إذاعية!)
إنما بكائي أنا!
لن أتحدث -بشغف- عن قضية بكاء الرجل، و كيف ظُلم لمئات السنين بعبارة: الرجل لا يبكِ!
بل سأتحدث عن سبب بكائي: كان لقطة من مسلسل (ليالي الصالحية)، لقد إختزنت دموعي طويلاً، حتى أحرقت ملوحتها مقلتاي، و ذاك منذ شاهدت تلك اللقطة لأول مرة (بعد أن أضحيت في سن الرجولة)، حفظتها بعيداً عن مرأى زوجتي و أطفالي لئلا تُكسر صورة "عمود البيت" في نظرهم.
لكنني أطلقتها بعد أن خلد الجميع إلى النوم.
اللقطة بإختصار في الدقائق الأخيرة للحلقة الأخيرة من المسلسل: تتلخص في حديث (عبد الحيّ) مع والده (المخرز) عن ابن عم الأخير و الذي يُدعى (المعلم عُمر).
أعلم أنك ستُشبهني بالنساء الآن ممن يتأثرن بالمسلسلات، لكن هل تريد أن أكمل لك القصة؟.... جيد!
كان المشهد التمثيلي يصوّر (عبد الحيّ) و هو يتحدث عن ابن عمّه و هو يتحول من أكبر تاجر أغنام عرفته البلاد إلى مجرد تاجر صغير في سوق الأغنام ذاته، و أن كل ما يمتلكه هو بضعة رؤوس من الماشية.


قارئي العزيز،
"قهر الرجال" هو الأمر الوحيد الذي يُبكيني حتى في حضورهم.


صلى الله و سلّم على المصطفى، الرجل الرحيم الذي تحدث بالوحي الذي ملأ قلبه و دعا:
{قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَقَهْرِ الرِّجَالِ}

لقد علم صلوات ربي و سلامه عليه، أن قهر الرجال لهو أمرٌ جلل: أن ترى رجلاً مهموماً لدينٍ يُلاحقه، و تسلّط الرجال عليه، أن يشعر بقلة الحيلة و العجز عن فعل شيء. أن ينهار جاثياً يستجدي أحدهم ليمنحه كسرة خبزٍ لن يمسّها فمه .. بل لأطفاله الجياع.
لقد رأيت والدي و قد تغيّر حاله، من كبير العائلة -قدراً و قيمةً و إحتراماً - رغم أنه أصغرهم سنّاً، إلى شخصاً لا يملك -في بلد الغربة- شخصاً يُقدّره حقّ قدره.
و رأيت نفسي كيف تحولت من شاب ٍ يشتري بعشرات القطع النقدية "شوكولا و بسكويت و رفاهيات" دون أن يهتمّ، لبقايا إنسان يصيبه الأرق كل يوم -كل يوم- كلما تذكر أنه مسؤول عن رعيّة (زوجة و أطفال) و سيسأله الله عن رعيّته.
لقد تركت العمل الذي كان يؤمن ليّ لقمة عيشي و كفاف يومي، و قررت أن أشقّ دربي الخاص.
قررت أن أعمل كـ مستقل ، كان قراراً متهوراً أخرقاً .... و ها أنا أنتظر كل يوم أن يأتيني عرض عمل من أحدهم، أو بضعة ورقات نقدية من والدي!

قهر الرجال يا سادة...يختصر الحكاية.

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق