فقدتكِ أكثر مما ينبغي!

فقدتكِ أكثر مما ينبغي!

طارق الموصللي

طارق الموصللي

بتاريخ نشرت

مضت عدة سنوات على الخروج من بلادي، تلك الحادثة التي أسماها والدي "سياحة إجبارية"، و أصدقكم القول أنني أكاد أنسى رائحة الياسمين هناك.
لذلك، و لأن اليوميات خُلقت لمثل هذه الظروف، فقد قررت أن أحتفظ بذكرياتي في هذا المكان. عسى أن نعود يوماً، فنكبر و يكبر أطفالنا و ينجبون أحفاداً لنا.. و نروِ لهم قصصاً نستمدها مما كتبناه.


اليوم الأول:
الحقائب تنتظر على باب الشقة، أولج والدي مفتاح الشقة المستأجرة، و دخلنا... المكان جديد، الأثاث كذلك. لكن هناك رائحة عطنة تنبع من المكان... غريب!، فتشنا الغرف جيداً، لكن الرائحة تبدو من مكانٍ آخر... مكان يقبع في الداخل... ليس داخل الغرف... بل داخلنا نحن: يبدو أن أحلامنا قد بدأت بالتعفّن!

كنت أحلم بأن أكون موظفاً كبيراً في بنك، كنت على أعتاب التخرّج، أقصد أنني تخرجت لكنني أنتظر وثيقة التخرج كي أخطو خطوتي الأولى نحو النجاح، صحيح! كان النجاح بالنسبة ليّ يتمثل في: وظيفة مرموقة - راتب محترم - منزل جميل - زوجة مُحبّة - و أخيراً أطفالاً أذكياء و لامعين.
ثم .. هووووب! ... تبخر كل شيء!

و ها نحن في مكانٍ غريب، مع شعبٍ ما زال يداوِ جراحه حتى الآن، و يا لنا من ضيوفٍ ثقلاء الظل!

هل تعرف -عزيزي القارئ- معنى اسمي: طارق؟
هو زائر الليل (أحد معاني الاسم) و زائر الليل دوماً ما يكون مزعجاً!
لقد شعرت لحظتها -وللمرة الأولى في حياتي- أنني اسمٍ على مسمى.

لكن لا بأس: هما شهران أثنان ثم نعود -هذا ما وعدنا به أبي- .... لقد مضت 4 سنوات و 6 أشهر و 25 يوماً.
و ما زلنا ننتظر أن يفي والدي بوعده لنا!

اليوم الثلاثون:

ها أنا أستند إلى سريري -الذي ليس بسريري- أداعب لوحة المفاتيح بكتابة رسالة لصديقي الوهميّ!


كيف تصنع صديقاً وهمياً بعد أن تتجاوز الـ 20 من عمرك؟

  1. قم بإنشاء إيميل جديد، و اجعل لعنوانه رقم السنة التي تركت فيها أحلامك على عتبة الوطن.
  2. تأكد أن تفقد كلمة السرّ، كي لا يتحول ذاك الإيميل إلى كابوس يأتيك ليلاً حين تعود إلى وطنك.
  3. اكتب كما يحلو لك... و لا تنسى أن تشتم بألفاظٍ لا تعرف معناها حتى
  4. ابكِ حتى تبتل لحيتك غير المشذبة.


و هكذا فقد تكدّست الرسائل في بريدي الصادر، لعنوان بريدٍ لن أتلقى منه رداً ما حييت.
تحدثت حينها عن كرهي للبشرية التي أخترعت الحروب، و عن كتبي التي لا بدّ أن الغبار قد علاها الآن، عن أغنية "أنا عندي حنين" لفيروز التي كنت أسمعها كل يوم في طريقي للجامعة، و أخيراً عن شوقي لتذوق طبق فولٍ أخير من "الفولاتي" الذي يخلط الزيت بالماء.... كان اسم محله "الثناء".

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق