يوميات العذاب في حلب!

وسام اسكيف

وسام اسكيف

حزن يشعر بالحزن، بتاريخ نشرت

قووووم عالخبز!! 

هذه أوّل جملة أسمعها عندما يحين وقت نهاري التعيس. أستيقظ من النوم على الأرض، لأنه ليس لدي سرير ولا غرفة حتّى، فغرفتي هي؛ غرفة الضيوف وغرفة الجلوس وغرفة الطعام أيضًا!! لا أستطيع حتّى تغسيل وجهي بالمياه، لأن المياه تتوفر مَرّة واحدة كل شهرين أو ثلاثة أشهر، لذلك يجب إستخدامها للشرب وغسيل الصحون وللحمام.

 على أي حال، أرتدي الشحاطة المهترئة الّتي أستخدمها منذ سبع سنين، والّتي ليس لدي غيرها، لأن أبي يرفض شراء شحاطة جديدة لي. أذهب إلى الفرن في الحارة المجاورة وأنتظر وأنظر للبشر يتقاتلون فيما بينهم ليتخطوا الدور، وبالطبع العاملون في الفرن أغلبهم فاسدين فإذا دفعت لهم أكثر كرشوة تستطيع تخطي الدور وتأخذ دور غيرك، أما أنا أنتظر دوري. وبعد مرور ثلاث ساعات أو أكثر من المعاناة تحت أشعة الشمس الحارقة في الصيف، أشتري الخبز وأعود للمنزل وشكلي كدجاجة مشوية على الفحم و مليء بالعرق، لا أحد بالمنزل يأبه لما حدث لي. عندها أتمنى أن أشرب كأس من الماء الباردة وأن يكون لي مروحة صغيرة لكي أشعر بالبرودة قليلًا، لكن للأسف ليس هنالك كهرباء، والكهرباء الّتي نستخدمها في حلب باهظمة الثمن وتكفي لإضاءة بضع لمبات توفير الطاقة من الحجم الصغير جدًا وتلفزيون صغير أيضًا.

 أتناول فطوري اليومي والذي يتكون من طعام المعونة الّتي نأخذها كل شهرين من برنامج الغذاء العالمي WPF أحد فروع الأمم المتحدة. فطوري يتكون من المعكرونة والمعكرونة أيضًا!! نعم، أنا أتناول المعكرونة تقريبًا يوميًا فأصبحت أكرهها على الرغم من أني كنت أحبها. طبعًا يجدر الذكر بأن المعكرونة بدون لحمة، وكمية رب البندورة المستخدمة فيها قليلة من أجل التوفير.

 بعد الطعام يقول لي أبي هيا اذهب وضع الشاي على النار لأن لا أحد في المنزل يقوم بأي شيء غيري، أقول لأبي أنه يجب أن نشرب شيء باردًا في الصيف، لأن الحرارة تكاد تقتلنا، لكن يقول الشاي أفضل! بالطبع عندما أنتهي من الشاي يجب أن اضع كميات السكر كما تعجب كل شخص منهم وأضع الشاي بيدهم فأنا أعمل مثل خادم عندهم.

 وبعد ربع ساعة وفجأة يرن جرس المنزل، ويأتوا الجيران لعندنا ويبدأون بالأسئلة السخيفة مثلهم، كيف حالك؟ وكيف تسير امورك؟ فإن قلت الحقيقة وقلت أني أريد الإنتحار وأكره حياتي، فستبدأ المحاضرات السخيفة الّتي تستمر لساعات طويلة عن الصبر والأمل، لذلك أضطر للكذب والقول أني بحالة جيدة وسعيد للغاية. وبعدها يقول لي أبي مجددًا إذهب وضع الشاي أو قهوة على النار، وأضطر للعمل كخادم مجددًا. بعد فترة يسألونني عن دراستي، فأنظر اليهم وأقول بيني وبين نفسي، لو لم تأتوا أيها المزعجون لكنت الآن أدرس، لكن أضطر للمجاملة فأقول لهم دراستي بخير وكل شيء جيد. بعد عذاب لايقل عن ثلاث ساعات من الإستماع للقصص القديمة منذ مئة سنة، يذهبون إلى منازلهم وأقول: وأخيرًا سأنال بعض الراحة.

 ولكن، يقول لي أبي لدينا في المنزل جرة غاز فارغة، سمعت أنهم يوزعون الغاز الآن، إذهب إلى المختار وأحضر غيرها، فأذهب مَرّة أخرى تحت الشمس الحارقة وأخذ معي عربة صغيرة لجعل شحط الجرة لمسافات طويلة أمر سهل، أذهب وأجر العربة لمسافة نصف ساعة، وعندما أصل أرى البشر يتقفازون فوق بعضهم البعض ويتقاتلون، فأقول لنفسي ليس لدي خيار آخر يجب أن أدخل بينهم، فأصبحت أتلقى الضربات من هنا وهناك، وبعد مرور نصف ساعة وانا بين الحشود لم أستطع أن أخذ الجرة، ويدّعون أن الغاز قد نفذ، فأعود للمنزل بعد نصف ساعة وانا مشوي ومشوه من كثر الضربات الّتي تلقيتها، ويقول لي أبي لماذا لم تحضر الجرة؟ وأشرح له الحكاية كلها، فيقول لي أنه خطأك، ويلومني لمَدّة لاتقل عن نصف ساعة.

وأذهب لأرتاح قليلًا وأنا العن حظي وحياتي اليومية الّتي أعشيها والمآساة الّتي لاتنتهي، وأنا أقول لنفسي لماذا يحصل كل هذا معي؟ ما الذنب الذي أقترفته حتّى أستحق كل هذا؟ ولا أجد الجواب، ويستمر هذا السيناريو معي يوميًا بأشكال مختلقة من المعاناة.

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق