عبدالله جاد المولى يكتب: فيلم لعبة الجوع The Hunger Games.. كأنك لم تراه من قبل..

عبدالله جاد المولى يكتب: فيلم لعبة الجوع The Hunger Games.. كأنك لم تراه من قبل..

عبدالله جاد المولى

عبدالله جاد المولى

بتاريخ نشرت

إذا كنت ثوريًا، حتى لو نظريًا، تدعم نضالات الشعوب من خلف الشاشات، فعلى الأغلب أن ذلك الفيلم من النوع الذي تفضله؛ فبعد أن انهارت أمريكا الشمالية؛ وضعفت بسبب الجفاف، الحرائق، المجاعات، الحرب وقتل الناس بعضها البعض. يحل محلها بلد يطلق عليها (panem)، تلك البلد مقسمة إلى 12 مقاطعة، تقوم قوات حفظ السلام برعايتها والتحكم في شئونها الداخلية والخارجية. ويعيش الأثرياء وذوات القامة العليا من أعيان الدولة وأصحاب النفوذ في العاصمة الكبيرة الثرية، بينما يعيش باقي أفراد الشعب من البسطاء والفقراء، في المقاطعات الإثنى عشر. حيث توجد فجوة اقتصادية ومادية وحضارية بين سكان المقاطعات، وبين سكان العاصمة الثرية، فيقوم سكان المقاطعات بالتجهيز للقيام بثورة، ضد ظلم وطغيان العاصمة الثرية، فتقوم العاصمة الثرية، بإخماد تلك الثورة بإشغال الشعب في ألعاب تسمى ألعاب الجوع.

يقرر المسيطرون على المشهد في تلك البلد القيام بلعبة ما بين شعوب تلك المقاطعات، يطلق عليها -ألعاب الجوع- حيث يتم اختيار كل عام اثنين من ممثلي الشباب (شاب وفتاة) من كل مقاطعة عن طريق القرعة، وذلك للمشاركة في دورة ألعاب الجوع. جزءٌ من تلك اللعبة ترفيهي، وجزءٌ ترهيبي ووحشي؛ حيث يتقاتل الجميع من أجل البقاء متخذين -البقاء للأقوى والأذكى- كشعار للعبة، كما يتم بث هذه الدورة عبر محطات التليفزيون في جميع أنحاء panem. ويضطر المشاركون جميعهم إلى القضاء على منافسيهم تمامًا أمام المشاهدين.

وقعت القرعة تلك المرة على فتاة صغيرة تدعى بريم تحاول شقيقتها كاتنيس إيفردين التضحية من أجلها وتقدم نفسها بدلًا منها، فتواجه نظيرها الشاب بيتا وهو صديق كاتنيس في المدرسة، وتجمعهما صداقة قوية، كان أصلها هو إعطاء بيتا الخبز لعائلة كاتنيس، عندما عانت من جوع شديد، ويقوم هايميتش ابرنائي، وهو الفائز في مباراة الجوع رقم 50 بتدريبهم. توالت أحداث الفيلم في أجزاءه الأربعة في صراعات ومطاردات ومفارقات غريبة تقع فيها كانتيس حتى تمكنت في النهاية من تحقيق حلمها بذكائها وصبرها المعهود.

يتسائل صانع الألعاب في مشهد ما عن جدوى هذه اللعبة، فيخبره الرئيس بأنه قادر على إجبار المقاطعات، بأن تقدم له هؤلاء الفتية كل عام ليقتلهم جميعًا وفورًا أمام أعينهم، لكنه يفضل تركهم يتعلقون بالأمل.. بصيص الأمل في عودة طفلهم حيًا، يجبرهم على الانتظار دومًا.. يجبرهم على الخنوع والاستسلام، يشغل عقلهم عن طلب الحق من جديد، أو القيام بثورات أخرى في المستقبل.

لكن كل هذا على وشك التغيير، فكاتنيس تعاني من صراع داخلي عنيف الآن، فهي تدرك أن بيتا، المتسابق الآخر من مقاطعتها، هو نفس الشخص الذي ألقى لها بكسرة خبز في يوم بارد قاس، كانت تحتضر فيه من الجوع أمام بيته.. لا تعرف إن كانت ستستطيع قتله بدم بارد بعد أن أنقذها، أو أنها ستموت قبله في هذه المسابقة.

هذا الأمر يتركها مستسلمة للأمر الواقع في أنها ستموت حتمًا، الأمر الذي يجعلها تستطيع خطف أنظار السادة، لا بشجاعتها ولا ثقتها ولا مهارتها في رمي القوس، لكن بلا مبالاتها، كاتنيس الوحيدة التي تحررت من سلطة الرئيس بسبب عدم تفكيرها في الأمل، أمل الفوز أو العودة حية من هذه المسابقة، لا يوجد الآن ما تخشاه، لذا فهي الوحيدة التي تستطيع مواجهة هؤلاء السادة بلا خوف، لا تريد جذب انتباهم ولا كسب حبهم، هذا بالضبط هو ما يجعلهم يختارونها بطلتهم المفضلة لهذا العام.

كاتنيس ذات القلب المحطم بعد موت صديقتها الفتاة الصغيرة السمراء رو، ورغبتها العارمة في الانتقام، يتحالف معها بيتا بعد ذلك معترفًا لها بحبه، ليقوم صانع الألعاب بوضع قاعدة جديدة من أجل إنهاء التعاطف غير المحسوب من الجميع بما فيهم أهل العاصمة مع كاتنيس وبيتا وقصة حبهما، ليقرر أن يبقى متسابقين هذا العام على قيد الحياة.. وبعد أن يظلا معًا إلى النهاية، يغير رأيه طالبًا منهم قتل أحدهما للآخر.

ما حدث هنا أن كاتنيس ترفض الانصياع للأمر في أول مرة بتاريخ الألعاب. تقرر أن يموت كلاهما معًا بالتوت المسموم تاركة العاصمة بلا فائز، لتنتهي الألعاب دون هذا الأمل الذي يريده الرئيس أن يبقى كل عام، يرفض صانع الألعاب قرارها ويسمح لهما بالخروج والعودة إلى مقاطعتهما كالأبطال، يغدق الرئيس على كاتنيس بالمال والطعام محاولًا كسبها في صفه، لكنه لا يعرف أنها بالفعل صارت رمزًا للتمرد، ودليلًا صريحًا أن الشعب يستطيع أن يقول لا.

لم يختلف هذا المشهد الدرامي كثيرًا عن عالمنا الحالي الذي تعيش صفوته على شقاء البائسين الفقراء، ومثل باقي أهل المقاطعات، يترك لنا عالمنا الحالي بصيص من الأمل بحديثه المتكرر عن الديموقراطية وإنقاذ الدول الأخرى من بطش الديكتاتورية، لكنها في حقيقة الأمر، يجبرنا على تقديم القرابين له منصاعين لهذا الأمل الزائف في الحرية التي لا تأتي.

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق