السبب الآخر للعيش لم يصل بعد، لكن لا بأس لدي قصص أخرى

أحمد عابدين

أحمد عابدين

غرابة يشعر بالغرابة، بتاريخ نشرت

أهلاً بكم   

اليوم استيقظت منزعجاً، صليت الفجر منفرداً وخرجتُ من المنزل مبكراً إلى الجامعة. لم تكن لدي نية للدراسة لكن وجدت الشلة في المكتبة يراجعون الدروس فجلست معهم.

الحديث في المكتبة بصوتٍ عالٍ ممنوع، لكن في أيام الإمتحانات يتساهلون في الأمر لأن الجميع يشرح للجميع هناك. لكن لا يزال لا يسمح لك بالحديث جهراً، فقط في محيط من تُسمعه كلامك. أما نحن فلم نتحدث في محيطنا، إنما ضحكنا   معظم الوقت.   

جاءت الظهيرة وخرجنا للصلاة، تأخرت عن البقية في الوضوء، ولما هممت بدخول المسجد وجدتُ طفلاً يبكي عند الباب. وقفنا مع الطفل ربع ساعة نحاول فهم الموضوع، ثم أين فقد أباه وبعد صعوبة أقنعته بأن يدخل وينتظره داخل المسجد بجانبي وأنا أصلي. دخلنا وأجلستُه في أول صف بعد الباب قليلاً ثم شرعت في صلاتي مباشرة ولم أنتبه لأن أصليّ مع الجماعة في الصفوف الأمامية. المهم قضيت صلاتي وجلست أدردش مع الطفل وأحاول معرفة اسمه. "حسبو" هذا كان أول اسم خرجت به، تليته الكثير من الأسماء الغريبة الأخرى التي بدت لي مختلقة، ثم استقر على "حسب الرسول صلاح الطيب". 

سألتهُ ماذا يعني حسب الرسول، فرد قائلاً: "حسب الرسول ده بابا جدو"، يقصد أنه مسمى على جده. سألته هل حسب الرسول هو جده من أبيه أم أمه فقال: "حسب الرسول ده بابا جدو، أبو أمي. وأبو أبوي. أبوهم الإتنين.". أصلاً الحق عليّ أنا الذي أسألك وأنا أعرف اسمك الثلاثي.   

إذاً هكذا يفعلونها هنا؟ في الأفلام تترك الأم ابنها في الرصيف أو أمام باب ملجئ أو مستشفى. لكن أن تتركه في المسجد، يا للهول، ما هذا. ثم لماذا انتظر حتى بلغ هذا العمر، ألم يكن الأمر ليكون أسهل في أيامه الأولى؟ ماذا أفعل الآن، هل أذيع اسمه الثلاثي بمكبرات الصوت؟ أصلاً ما ضماني أنه اسمه الحقيقي؟ ما هذه الورطة أين سأذهب بهذا الطفل الآن؟!

قاطعت أفكاري السوداوية أعلاه قهقهات الطفل وضحكه. نظرت إليه وسألته لماذا يضحك فقال: "هدا أبوي." نظرت فوجدت رجلاً متوجه بوجهه إلى الحائط حيث هاتفه الموصل بقابس الكهرباء. جرى نحوه الطفل وتعلق بساقيه، ثم جرى نحو طفل آخر بقربه وأخذ في اللعب. 

وقفت مسافة لا أعلم ما حدث للتو، ثم لما مضى وقت ولم يلتفت الرجل اتجهت نحوه وألقيت التحية. وهو ينظر إلى هاتفه جاوبني: "آي، أنا أبوه. أنا خليته هنا مع أخوه ومشيت صليت مع الجماعة قدام." أخبرته أنني وجدته في الخارج يبكي وأقنعته بصعوبة ليدخل للمسجد. رد عليّ بأنه رأى الأمر كله ثم رفع عينيه عن الهاتف ونظر إلي وشكرني.

يذكرني هذا بطفولتي فكنت دائماً أضيع من أبي بالذات في الحرم المكي. وكل مرة كنت أظنها النهاية ولن أرى أبي ثانية   الفرق أن أبي كان عندما يجدني يكون مقطوع القلب ثم أدخل فترة حظر تجوال لبعض الوقت   خفف هذا الموقف عني شعور الإنزعاج قليلاً 

لكن ما إن عدت للمكتبة حتى عاد. حسناً لم أكن يوماً من محبي المكتبة وحتى عندما أدرس أرتدي سماعات الأذن بأعلى صوت. ودعت الشلة وخرجت من الجامعة قاصداً جامعة أخرى استفسر عن معاملة لأخي. انتهيت منها ثم خطرت لي فكرة عبور الكبري أو الجسر مشياً علها تتخف عني قليلاً. 

الكبري يمتد فوق النيل الأزرق - أحد إثنين هما ما يكونان نهر النيل. سرت على الجانب الغربي من الكبري لأنه الأكثر تهيئة لسير المشاة ولو أنه ليس مهيئاً تماماً. لم أستطع الاستمتاع بمنظر النهر، فعلى يساري الغرب مباشرة والوقت الآن هو العصر، لذا فالشمس في عيني تماماً. ضقت ذرعاً بذلك وقررتُ أن أعبر للجهة الأخرى. تلك الجهة ليس بها سبيل لعبور المشاة وهي حرفياً عبارة عن قضبان سكة حديد للقطار الذي يعبر من فوق النيل. لكن هناك كانت الجهة الشرقية حيث لا شمس وبإمكاني التمتع بالنهر، لذا أخذت المخاطرة وعبرت الكبري للجهة الأخرى. المشي بين القضبان وما بينهما فراغ ترى من خلاله النهر تحتك مهيب ومخيف حقاً. وصلت لمنطقة بها ما يشبه المنصة التي بإمكانك الوقوف عليها وجلستُ هناك. وأنا في طريقي هناك قابلت رجلاً بثياب رثة وللصراحة كان شكله غريباً. كان أسمراً بالغاً في السمرة، وجميع شعر وجهه أشقر بالغ في الحمرة. وقف أمامي وقال لي: "أعمل حسابك" أي خذ حذرك. رددت عليه بالإيجاب يعني نعم سأفعل ولم أفكر فيما إن كان قصد شيئاً آخر سوى الحذر من السقوط. 

جلستُ هناك ولم تمر سوى خمس دقائق حتى جاء شخص للمنصة التي أجلس عليها من خلفي. ألقى التحية وأخبرني أن هذه المنطقة محظورة. عندما انتبه لأنني أصور مقطع فيديو بهاتفي إنزعج وقال أن هذه منطقة عسكرية ويمنع الاقتراب والتصوير. أخبرته أنني لم أكن أعرف ذلك، طلب مني الهاتف فألغيت قفله وأعطيته له في شاشة تظهر الفيديو الذي صورته. تجاربي الغير سعيدة مع هذه النوعية من الأشخاص تخبرني أن أتعاون معهم لأقصى حد ممكن، كما أنه لم يكن لدي ما أخفيه سوى ذلك الفيديو الذي علم بأمره أصلاً. لم يستطع حذفه لأن الذاكرة ممتلئة ولا تسمح لك بفتح الاستوديو حتى تفريغها. أعطاني الهاتف وطلب مني حذف الفيديو، ثم أخبرني أن أغادر هذه المنطقة فقد أنهب هنا أو أتعرض للضرب. شكرته واعتذرت عن ازعاجه، ثم سرت على سكة القطار على طول الكبري لأصل للضفة الأخرى. 

أحسست بخطواته يمشي من خلفي، لكنني لم أنظر للخلف وواصلت السير. بعد أن قطعت مسافة ظهر لي من الجانب وأخبرني أن أعبر للجانب الآخر من الكبري فإن وجدني عساكر قد "يتشابكون" معي. شكرته مرة أخرى وعبرت للجانب الآخر وأدخلت هاتفي في جيبي حتى ابتعدت من تلك المنطقة. 

جاءتني رغبة ملحة في مشاركة الفيديو مع شلتي المقربة خاصة أن حديث الرجل سجل فيه، لكن أتتني لمحة من رواية A Tale of Two Cities عندما حكى الطبيب لزوجته عن تلك المريضة الملكية التي زارها فدخل السجن لعشرين عاماً   ألغيت إرسال الفيديو في آخر لحظة قبل اكتمال تحميله. 

السبب الآخر للعيش هو الحلقة الجديدة من إنمي Attack on Titan ، المفترض أنها أصبحت متوفرة الآن لكنني نعس جداً لأشاهدها الليلة. سأنتظر حتى الصباح. 

كيف كان يومكم؟   

التعليقات

  • Mo Ri

    ذلك الرجل الذي طلب منك هاتف ثم حذرك، والذي شعرت أنه يتتبعك، كان يظن أنك تريد الإنتحار يا أحمد.

    وجودك على خط القطار، ووجودك في تلك المنصة، يوحي بأنك مقبل على الإنتحار.

    جميل أن تجد شخص يهتم بالآخر في هذا الزمان.

    شكرا له ولصاحب الثياب البالية
    2
  • رياض فالحي

    فعلا إمسح الفيديو أو إحتفظ به لنفسك...
    1
  • Suad

    يوم حافل لك ويوم عادي لي ...
    1
  • HD ahmed

    *ينظر الأب من نافذة ، يجد اشخاص غريبين حول ابنه ، احدهم يمسك يد ابنه ويهم بالذهاب ، ذهب بالفعل ، يحمد الله انه ازال عنه هم تربية الإبن ، يجد الابن الثاني بجواره ، كم يتمنى ان يخطف احدهم هذا الآخر ، قبل ان يكمل تفكيره في امنيته يجد ابنه الأول يتعلق في ثيابه ، فيكمل باقي اللعبة في الجوال*
    1

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق