"ما هُنالك ياعمر عمري؟"

شخص ما.

شخص ما.

بتاريخ نشرت

"أنا لست عاتبة عليك
لكن على الزمن الردى
أنا لست غاضبة عليك
غضبى على قلب نديّ 

أنا لست نادمة على شى مضى

ندمي على ما قد يجي"

والدتي ليس في حديثها إلا أخبار من ماتوا ومن مرضوا ومن ضاقت بهم الحال.. تفاصيلهم وحالهم وقصصهم

كل ماحاولت انحناء مسار الحديث لا تلبث إلا أن تعود له.. المشكلة أنني لست ناقلة سعادة، ولا أملك روحا خفيفة كما قبل، أحاول استرجاع أحداثًا مفرحة ولو قديمة ولكن بلا جدوى، أما البشائر فليس لها نصيبا مفروضا في قاموس صالة المنزل، تُنسى كأنها لم تكن!

أذكر مرة كان مزاجي رائقا جدا قد اكتملت تجديدات غرفتي أخيرا، وعندما جالستُها أخبَرتني أن فلانة التي ترقد في المستشقى منذ فترة طويلة أزالوا عنها الأجهزة؟ قلت: هل ماتت؟ قالت: ليس بعد.. قلت لماذا أعرف معلومة كهذا.. محزن جدا لم أعرف حتى بماذا أدعو لها .. هل سأنام وأنا أنتظرها تموت؟ أذكر أنني اكتئبتُ وكرهت هذا الحديث..  فأخبرتها بجرأة: أليس من خبر سعيد وسط هذه الأحداث الدرامية؟ قالت: اممممم -وأخذ التفكير حيزا معها- ثم هتفت: إلا صح عاملة فلانة أسلمت ! واو هذا خبر رئيسي جدير بأن يُعَنوَن بارزاً!

منذ لاحظت هذا الأمر وهو يقلقني عليها، يخيفني أنها تتمحور على أخبار الحزن والمآسي فقط فتتآكل وتضمحل صحتها الجسدية والنفسية بدون أن تشعر.

ألاحظها تحرص حضور اجتماعات العزاء، أتفهم أن العزاء فرصة للقيا الناس بلا كلافة في الزينة والمظاهر التي عليها الناس اليوم، العزاء ترى الناس على فطرتها وبسهولة تكسب ودهم بكلامك وقربك وقت شدتهم، فيشعرك بالأخوة والتقدير والرضا عن نفسك...

أحيانا قد يأخذني التقريع بأن تفكيري هذا هو اقتحام على نمط حياتهم باعتبارهم لا يسعون للجودة وليس من طموحهم.. فهم كبار قد اختاروا ما اختاروا، ولعل ماضيهم كان أكثر بشاعة لذلك هم راضون اليوم ويرون أنهم في حال أفضل.

ماذا عن أجيالنا وأقراننا ونحن نراهم يتسابقون في جودة الحياة يحيطها قيم السرعة والاستقلالية والمتعة ثم المتعة. 

يبقى غير مبررا أن يكون شغلنا الشاغل.. عش دنياك كأنك تعيش أبدًا .. 

ليش ماننبسط ونفرح؟ ونتحمس ونشتري أكل متنوع ونجدد بالأثاث باقتناع ونسرف بالفرح.. 

مرة عملنا حفلة وكنا متحمسين في التجهيز، علقت الوالدة: ترا ما يهمني شغلكم هذا كله أنا بروح لأمي.. انكسرت عليها وهي تحاول زهد شعورها وكتم فرحها

طبعا الوالد في هذه الأجواء يقول: "قصروا لا نزعج الجيران" كأن مالنا استحقاق لشيء. مالنا استحقاق لفرح بهالدنيا! بس الناس اللي يحق لها تفرح ونتفرج على حياتهم بسناب تشات ونحكي عنهم بإعجاب، ولو أحضرت شيء أو اقتنيت للأسرة، ما أستغرب لو قوبل بالتعيير لضياع أموالي وللا بالشفقة: ياروحي وشوله؟  (أي: لا داعي لهذا)

ليس هناك إلا الكآبة ومفاهيم مغلوطة بكل زوايا البيت.. الطفش ملموس، واعدت الأصدقاء خرجت للمقاهي والمطاعم ومجمعات الترندي والأندية الرياضية ومحلات الأثاث والتحف والأجهزة والمكتبات واستقبلت في منزلي أصدقائي المقربين، وجربت ألذ الحلويات ولازال الملل يفترس بالأيام حتى تتخدر وتنام ثم تنام ..  قتلنا زهرة شبابنا بالنوم وانتظار الموت أن يختارنا.

أصبحت لدي ردة فعل عكسية لم أعد أفرق بين الواجبات الاجتماعية والمجاملات وعزاء من يحبني ويفرح بقربي حقا.. 

يصلني من بريد العمل الرسمي رسائل نعي ممن معنا في دائرة العمل على مستوى المملكة.. أكرهها

وبعدما طفح الكيل، قمت بإرسال طلب بحذف اسمي من رسائل التعزية وذكرت أنها لظروف صحية

  ثم إني أعتقد أن الأمهات مشغولات بالهموم منذ أول طفل يضعونه.. فكيف يحتملن اجتماع الهم والحزن وكدر الحياة؟

كثي يا أمي كثير! يكفيك هموم أولادك المقضة لمضاجعك فهي عنكِ لا تنفك.

"وكنت أخبئ عن عين أمي جراحي 

وأسترها بالحكايات والضحك المستعار 

وكنت أواري الندوب التي 

ثقبت كل شبر بروحي

وماكنت أحسبني لا أواري !

أقول لها كل شيء بخير.. وأضحك

بينا تغوص بخاصرتي

أرمح الانكسار

وحين أظن بأني تقمصت أخرى 

يباغتني صوتها 

ماهنالك ياعمر عمري؟ 

فيهوي ستاري!"



 


التعليقات

  • اسلام سيد

    احد الاشخاص قد كتب يوم ما " ان وقت خروجه من بيت اهله كان بداية حياته الحقيقية !! " من الممكن ان نواجه اهلنا بمشاكلهم ولكنهم لم ولن يعترفوا بها ولن يتغير شيئا ما لذا احرص/ي ان تختار رفيق دربك الصحيح
    0
    • شخص ما.

      هو كذلك أجل.. في العقد الثالث ولازلت أعيش حياة مزيفة..
      شكرا لقراءتك ووقتك
      0

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق