حينما تأتي العجائب. .

حينما تأتي العجائب. .

النورس الأسود

النورس الأسود

بتاريخ نشرت
بينَ كُلِّ القصص الخالدةِ في الذاكرةِ، تأخذُ حكايا العابرينَ طابعًا خاصًّا في مخيّلتي، لا أعرفُ لمَ؛ ربّما لأنّ أصحابها لم يعودوا موجودينَ ليشاركونا الذكريات، ربما لأنّ أصحابها سيعبرون وتبقى ذكراهم عائمةً كطيفِ شبحٍ مهجورٍ في ثنيةٍ ثنايا الدماغِ، لستُ أدري . . نمقتُ فئتينِ ممن المجتمعِ في مجتمعنا. . سائقو الباصات. . وسائقو سيّاراتِ الأجرة. . ولا يخلو الأمرُ من وجودِ بعض الصالحينَ بينهما، لكنّهم قلّة، وتلكَ الثلّة الصالحةُ منهم لديها ما تحكيه. -إلى أينَ أنتَ ذاهبٌ يا ابني ؟ - إلى الجامعة . .عمّي. . هل يمكنكَ إيصالي؟ - بالتأكيدِ .. تفضّل. - كيفَ حالك؟ . . وكيف حالُ دراستك؟ - الحمد لله على كُلِّ حالٍ. . كيف حالكَ؟ . . وكيف حالُ هذا العملِ معكَ؟ - الأوضاعُ لا تسرُّ يا بنيَّ ،هذا حالُ الجميعِ، وحال البلد لا تخفى، لكنَّ هناك ربًّا لا يذر العبد وحده . . -وقرأ قوله تعالى (أيحسبُ الإنسانُ أن يتركَ سُدى) ؟ -أراكَ يا عمُّ مختلفًا عن اؤلئكَ العاملينَ على سيّاراتِ الأجرة، فأنتَ -حفظكَ الله- صاحبُ خُلُقٍ بادٍ، أسأل الله لك التوفيق. - لم أكن قبل عامٍ هكذا يا بُنيَّ، لعلّكَ لو رأيتني لدعوتَ الله أن يُرِيَكَ الشيطان الرجيمَ فِرارًا من مظهري. - بالمناسبة، هل لديكَ مِزاجٌ لتسمعَ قصّتي يا بُنيَّ؟ - تفضّل عمّى، ما دامَ في الطريقِ مسافةٌ فعندي وقت. تتغيرُ ملامحُ الرجلُ ليستحضرَ حُزنًا كبيرًا بدا على مُحيّاهُ، وكأنّهُ يُراجعُ كتابًا أملاً في الوصولش إلى الصفحةِ المناسبةِ لينطلقَ منها وقد فعل. - قبل عام، صَعِدَ معي شابٌّ حدث السنِّ جلسَ مكانكَ هُنا، راقبتهُ وأنا أنفثُ دخانَ سيجارتي، سائلاً إيّاهُ سؤالي المُعتادَ "وين رايح" ؟ ، ليجيبَ . . إلى المستشفى لو سمحت، خرجت منه تلك الكَلِمةُ وكأنّها كانت آخرَ شيءٍ أرادَ نسيانهُ، فقلتُ له بداعي الفضول: سلّمَ الله مريضكم، أرجو أن يكونَ بخيرٍ، ليردَّ الشابُّ: أنا المريضُ وأسأل الله أن يهوّنَ عليَّ، دعواتك يا أخي. - قُلتُ له، عسى ما شرّ، فقال لي بصوتِ الذي حُشر كوكبَ الأرضِ في صدرهِ، ويريدث منه انفكاكًا ، سرطان يا عمّي ولله الحمد، سلّمك الله منه أنتَ وعائلتكَ وأحبابَكَ. - قلت في نفسي، كيف يُعقلُ هذا!، وأين ذوو الرجلِ عنه؟، وانطلقَ فاهي يسرقُ السؤال من عقلي لينطقهُ فمي، لأفاجأ وقد صارَ على مسمعِ الشابِّ وقد أطرقَ حائرًا بُرهةً ثمَّ أجاب: "والله يا عمِّ مش عارف شو بدي أقولك بصراحة ما حكيت لأهلي، عنديَ أمٌّ ولا أريدُ فجعها بهذه الكارثة، وأنا ذاهبٌ لعملِ عمليّةٍ، إن نجحت ستهوّنُ عليَّ كثيرًا، وقد ألقى حتفي فيها، ولا أملكُ من الأمرِ إلّا الدعاء". -يقول: شعرتُ بانقباضةٍ في قلبي، وكأنَّ دلوَ ماءٍ باردٍ سُكِبَت على رأسي في أحدِ صباحاتِ كانونَ الباردة، يا ابني هل تريدُ مساعدةً؟ قال : لا . . إنّما قدر الله سابقٌ فإن قدّر لي الحياة، عِشتُ وربّما تقابلنا من جديد. -ولكنْ اسمع يا عمّي نصيحةَ من لا يدري أمفارقٌ هو اليومَ أم لان حينما تُصبحُ حياتكَ على مشارفها، ويبزغُ فجرُ الرّحيلِ لا يُضامُ في رؤيتها أحدٌ، ستذكر حينها، وستعلمُ ما الذي أشعربه، ستذكر كم وقتًا أضعتَ، وكم إنسانًا ظلمتَ، وكم في عبادةٍ فرّطتَ، وكم قصّةً رويتَ، وكم قلبًا كسرتَ، وكم معةً أذرفتَ، وكم وسادةٍ جرت عليها المدامعُ بسببك. . . - يا عمُّ إنس أحسبُ أن الباقي في حياتكَ أطولُ من حياتي، لكنني اليومَ ذاهبٌ ولعلّكَ غدًا تدركني، او بعد غدٍ أو بعدَ بعدِ غدٍ. . من يدري!!. . الله يدري . . -يقول: وطلبَ الرجلُ النزولَ وأقسمتُ عليكِ بالمغلّظةِ من الأيمانِ إلا يدفعَ، فأبى، وأيقنتُ أنَّ هذا الرجلث مفارقٌ لا محالة، وذكرتُ كم جلسَ على مقعدِ سيّارتي من بشرٍ، همومٌ مختلفة، نفسيّاتٌ متعددة، منهم الصحيح والعليل، التقيُّ والفاجرُ، الكبيرُ والصغيرُ، وكأنَّ لكلِّ واحدٍ منهم عالمًا خاصًّا متميّزًا، لكنَّ المشتركَ بينهم جميعًا. . هو أنّهم إن نزلوا من باب سيّارتي لا يعودون. . -مضى أسبوعٌ وأنا افّكرُ بأمرِ الشابِّ، وأقول: وما الذي يحول دونَ أن يكونَ غدي آخرَ غدٍ، فتأتيني الإجابةِ من الخواء: أن لا شيء. . لستُ تقيًّا، ولا شيخًا، ما زالت صلاتي غيرَ منتظمةٍ، لكنّني جاهدتُ ألا أكسرَ قلبًا بعدها قطُّ، فقد لا أرى ذلك القلبَ أبدًا ما حييت . . -قلت: جزاكَ اللهُ خيرًا يا عمُّ، ما استمتعتُ برحلةٍ هذه مع رجلٍ من أصحابِ سيّاراتش الأجرةِ كما استمتعتُ معك، وأرجو الله أن يُعيد كرّتنا هذه، عسى ألا نكونَ من العابرينَ. -وأقفلتُ الباب وأنا أطرحَ على نفسي . . نفس الأسئلة . . الجامعة الأردنيّة . . 10/2/2018 . .

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق