" وإذا اشتدّت رمضاؤك, أصبح الرّوى!"

دانة عبدالله

دانة عبدالله

رضا تشعر بالرضا، بتاريخ نشرت


تراءى صوتان متجادلان يومًا:
-" لمَ سُمّي الإنسانُ إنسانًا؟"
- " وما سُمّيَّ الإنسان إلا لأُنسِه ... ولا القلب إلا أنه يتقلّب!" لأنه ببساطة بحاجةٍ للأنس, وبحاجةٍ لمن يؤنسه..
- أولهذا فقط "يصحبُ" البشرُ بعضهم؟!
أوقع هذا التساؤل احتدام الآراء, وترائي بعضِ الصورِ المموهةِ المخدوشة, والأطياف التي تُجبرك على التبسّم..
- "إنّ المفردة التي اخترتها, تحويّ كمًّا هائلًا من المعاني والتصورات.. وماللذي ذكرته من الأُنسِ إلا غيضٌ من فيض"!

-تراءت ليَ صورة أبي بكر رضي الله عنه, يتلفّت يمنةً ويسرةً, ويتقدّم تارةً ويتأخر, يرقب ويَطرفُ أيّ غُبار, أيّ قدمٍ تتربّص بصاحبه وحبيبه صلى الله عليه وسلم,صورته وهو يُلقم جحر الغارِ قدميه. صورة النبي صلى الله وسلم عندما تمّعر وجهه لغضب أبي بكر وصَدح: "إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدق ,وواساني بنفسه وماله, فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟! فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟!"

-صورة كعب بن مالك عندما تابَ الله عليه, وقام إليه طلحة يُهرول ليهنئ ويصافح صاحبه, وكان كعب " لا ينساها لطلحة!"

- صورة وشعورُ ابن القيم عندما تحدّث عن شيخه " ...وعلم الله ما رأيت أحدا أطيب عيشا منه قط ، مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق ، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشا، وأشرحهم صدرا، وأقواهم قلبا ...تلوح نضرة النعيم على وجهه ، وكنا إذا اشتد بنا الخوف ،وساءت منا الظنون ، وضاقت بنا الأرض أتيناه ، فما هو إلا أن نراه ، ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله وينقلب انشراحا وقوة ويقينا وطمأنينة..." 

-صورة الهُذيل بن هُبيرة, لمّا لانَ لأمرِ أصحابه وجنده, وقال مقولته التي لا تزال جذورها رَطِبة إلى وقتنا, ونقشت في ذاكرة التّاريخ "إذا عزّ أخوك.. فهن!"

وعند هذا المقام, تضيقُ المساحة للحديث, ويضمحل الفِكر ويجفّ القلمُ إذا تصوّر جمعهُ لتلك المواقف, العابرة والخالدة؛ وكفاك بأشعارِ العرب, جاهليتهم ومسلمهم, ومعاصرهم بمكانة الصّحب والصّاحب!

ألم يقل قائلهم: "لكلِّ شيءٍ عَدِمْتَهُ عِوَضٌ * وما لفقدِ الصَّديقِ من عوضٍ."؟
وآخرٌ:  "لي صاحبٌ إن خانَني دَهري وَفَى
وإذا تكَدّرَتِ المَناهلُ لي صَفَا
تَبدو محَبّتُه ويظهرُ ودُّه نحوي إذا ما الودُّ بالملقِ اختَفَى
كلٌّ يَقولُ: لصاحبي عندي يدٌ، إذ كانَ لي دونَ الأنامِ قد اصطفَى" ؟

لقد تعالَت المفردة لديهم من مجرّد الأُنس, عندما تتصفح مرادفات الصاحب ستجد عَجبا, وستجد عالمًا, وكيانًا, تتبدّد لديه المفردات, تنكمش به الأيدي عن الوصف, يُعقد اللّسان ليُصاب بالبكم.. لنخوض في ساحله قليلًا:
- الصاحبُ "وأصلُه في العربية الحفظ، ومنه يُقال صَحِبَك الله وسِرْ مُصاحَباً أي محفوظا" !
يُقال, صاحَب الشيء, "رافقَهُ" في طريقه, في إقدامِه..

"معاشِر" وفهِمَ حُسن طبعه, وسوء ماعنده, ومع ذلك,"لازَمهُ" في عُسره ويُسره,في كَسره وهشاشته, وقوّته.. 

"أليفٌ" ألفه, وانسجم به, ومعه..
"مؤنسٌ" آنسهُ ولاطفهُ, وأزال وحشته..
"تحننّ" عليه ولهُ, في قسوة وشظف عيشه
"جليسٌ" يبحثَ عنه..

"خدينٌ" باطنهُ لصاحبه يوافِق ظاهره

"صديقٌ" صَدَقَه المَودَّة والنَّصيحةَ!

"صفيٌّ" تختارهُ وتنتقيهُ بين الأنام..
ولكن أنّى يُجمع ذلك إلا في أوثق العُرى؟  *في المحبة المتعلّقة بربِّ الورى!*
 قال قائلهُم: "من لم تكن في الله خُلّته * فخليله منه على خطر!"
أبعدَ محبةً توجب محبة الرحمن شرفًا ومطلبًا؟ أبعدَ صُحبة تورثك ظلًا ظليلًا يوم لا ظلّ إلا ظله مغزى ومرامًا؟ أبعد صُحبة تجمعك بصاحبٍ على منابر من نورٍِ تبتغي بدلًا؟! وفوق ذلك: " المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يُخَالِل"

ومامن صُحبةٍ ولا صاحبٍ إلا وهو فانٍّ, وفترة منقطعة, إلا ما اجتمع في الله, وافترق على ذاك. أَما والله!مابلغت مبلغها إلا لإنها قامت في الحيّ العليّ القيّوم, وآثرت للصاحب حقّه على نفسه, وكانت مرآته نصحًا وإرشادًا, وتشاكلتْ معه كالجسدِ الواحد, إذا توجّع جزءٌ منه, توجّع معه, وتألم لألمه وفَرِح لفرحه؛ وماكانت لأجل دنيا فانية, ولا مصلحةٌ منقطعة, ولا لجمالٍ إذا ماتمّ نقص وتكدّر, ولا لمالٍ إذا ما اجتمع تفرّق, ولا لمنصب ما إن يبلغ ذروته حتى يَهوي إلى هاويته!

- فالصُّحبة يا صاحبي.. لم تكن يومًا أداةً إيناسٍ مجرّدة, بل هيَ أخذٌ بيدك .. لربّ الأولى والأخرى, ودليلُ للتمسّك بعُراه الوثقى, ودعوةُ ملازمة الطريقة المُثلى, والشريعةُ العُظمى, لتكونَ آصرة وثقى, وعمرٌ يمتدُّ للأخرى, ومرآة مُثلى, وفرحةً تترى, وروحٌ تتوجع إلى أن تبرى, إذا نابك دهرك وفّى, وإذا قُضّ مضجعك واسى, وإذا اشتدّت رمضاؤك, أصبح الرّوى, وإذا طُويت أَرضك, انزوى!

"إنَّ أخاكَ الحقّ مَن كان معك***ومَن يضرُّ نفسَه لينفعَك
ومَن إذا ريبُ الزمان صدعَك***شتّتَ فيك شملَه ليجمعَك!"

-هدوءٌ أخذ بلجامِ تلكَ الأصوات المتجادلة, وعمقٌ ترسّب قابعًا في أغوارِ الفؤاد وصوتٌ نصوح نَطق لإجمالِ ماسبق:  "اصحَبْ مَن إن صحبْتَه زانك، وإنْ خدمْتَه صانَك، وإن أصابتْكَ خصاصةٌ مانَك، وإن رأى منك ثلمة –خللا- سدَّها، وإن رأى منك حسنةً عدَّها، وإن رأى منك سيئةً سترَها، وإن سألْتَهُ أعطاك، وإن تعفَّفْتَ عنه ابتداك، وإذا نزلَتْ بك نازلةٌ واساك، وإن عاتبْكَ لم يحرمك، وإن تباعدْتَ عنه لم يرفضْكَ، وإذا قلتَ صدّق قولَك، وإن تنازعتما في حقٍّ آثرك".

اللهم اجعلنا من المتحابيّن فيك, ومن الذين يجتمعون على طاعتك, وثبّتنا على الإيمان وسدّد خطانا, وارضنا وارضَ عنّا واجمعنا دنيا وأخرى! :"

 

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق