يوسا بين قوم محمد وموسى "عليهما السلام"

يوسا بين قوم محمد وموسى "عليهما السلام"

أحمد فضيض

أحمد فضيض

لامبالاة يشعر باللامبالاة، بتاريخ نشرت

قرأت اليوم مقالة من مقالات سبع لماريو بارجاس يوسا، الروائي اللاتيني الأشهر، نشرهن فيما بعد في كتاب صغير اسمه: "إسرائيل، فلسطين: السلام أو الحرب المقدسة؟"، وهن ثمرة زيارة قام بها مع ابنته مورجانا عام 2005، إلى بعض مناطق النفوذ المختلفة فيهما وبعض المخيمات والمستوطنات، وبادئ ذي بدء فأن يوسا يدافع عن وجود إسرائيل كدولة قائمة عصرية وحديثة توفر الحياة الكريمة لقاطنيها، رغم عدم اتفاقه مع بعض سياستها تجاه الفلسطينيين

وهو في هذه الزيارة قابل الكثير من اليهود والعرب، وكلاهما تحدث إليه باستفاضة، لن أقول شيئًا مكرورًا عن قوة القناعات المسبقة وتأثير الإعلام اليهودي وتغلغله في ثقافة الغرب، فهذه أشياء لا تعني شيئًا لمن قد يقوم بهذه الزيارة نفسها ثم يعود وهو مقتنع بالرأي الآخر المختلف، فلا بأس، هي آراء شخصية، ما دام صاحبها لا ينتمي إلى أي من جوانب الصراع، بل هو شخص سافر إلى تلك البقعة الحرجة من أجل أن يكوّن رأيًا وحسب

وما لفت نظري أن يوسا في المقالة التي قرأتها تلك، أنه قد أدارها حول شيء واحد من الناحيتين، فهو فيها عرض فقط لرأيين، ليهودي وعربي، صوّر قائليْها في صورة المتدين المتطرف (المتزمت)، فأما اليهودي المتزمت، واسمه: "إيزيكويل ليفشيتز"، أحد سكان المستوطنات، فقد التقى يوسا به ودخل بيته وقابل زوجته "أوديا" وأطفاله الثلاث، ولفت نظره احتشام زوجته وحرصها على تغطية قدميها في جورب سميك، كما تحدث معها واستمع إلى قصة حياتها في المستوطنات منذ أكثر من 24 عامًا، ثم أورد قول زوجها، والذي هو كما سجّله في الكتاب على لسان اليهودي الإسرائيلي المتزمت:

"إن فكرة وجود دولتين هنا في إسرائيل تتعارض مع التوراة وهي بمثابة تدنيس لأمر عدم إشعال النار في يوم السبت، على سياستنا أن تكون حازمة، فالعرب الذين يقبلون بكون هذه الأرض: أرض يهودية، ولن تكون ملكهم أبدًا، فأولئك يمكنهم البقاء هنا في إسرائيل للعمل من أجلنا، أما أولئك الذين لا يقبلون بذلك فعليهم أن يغادروا، وأولئك الذين يثورون ويريدون القتال يجب أن يعلموا أننا سنقتلهم، فقط إذا أوفت إسرائيل بما تقوله التوراة، فإنها ستكون أمة مفيدة لبقية العالم"

أما العربي "المتزمت" الذي التقى به في غزة وسط أنصاره، فهو الشيخ "نافذ عزام"، عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي، وابتدأ يوسا كلامه قائلاً إنه وعلى عكس "أوديا" زوجة اليهودي الذي التقى به، من المحال أن يرى أو يتحدث مع زوجة نافذ عزام، "لأن الزوجة في الإسلام لا ينبغي لها أن تُرى للعيان" كما قال، ثم سأل يوسا الشيخ نافذ عن التعايش مع اليهود، وتركه يقول ما قاله مبتدئًا دون تدخل سابق:

"في القرآن الكريم يحث الله المسلمين على أن يكونوا كرماء مع غير المؤمنين، ولكن ماذا فعل اليهود في أرضنا ههنا؟ لقد جلبوا مليون روسي وأعطوهم منازلنا وقرانا، وليس حتى نصفهم من المنتمين للديانة اليهودية، ثم جعلونا، نحن الفلسطينين، محاصرين داخل سياج من الأسلاك الشائكة، وعلينا فوق ذلك أن نطلب الأذن منهم للخروج ولو لبضع ساعات خارج هذا السجن! مَن قد يتحمّل هذا الأمر؟!"

ولكنه تدخل بشكل لاحق، فقد أردف هذه الكلمة مباشرة، وعلى الأسلوب الروائي، بوصفه لحركات القائل خلال الكلمات السابقة، وكان هذا السطر:

يتكلم بسرعة شديدة، ينظر إلى الفراغ، يبدو كشخص يتلو شيئًا محفوظًا، وواجه مترجمي المرافق لي صعوبة في متابعته

ثم يخبرنا يوسا أنه أخبره أن صورة الجهاد الإسلامي في العالم سلبية للغاية بسبب الهجمات الإرهابية الانتحارية التي تمارسها حركته التي ينتمي إليها (هل لاحظتم الفخ الموجود في السؤال؟)، ثم نقل لنا قوله:

نفد صبره قائلاً: "إن أعمال شهدائنا هي رد على المجازر التي ترتكبها إسرائيل ضد أطفالنا، لقد اقترحنا عليهم مرارًا أننا سنوقف عملياتنا ضدهم مقابل أن يتوقفوا بدورهم، غير أنّا لم نتلق ردًا إلى الآن"

فيخبره يوسا عن أنه تحدث مع بعض الفلسطينيين في غزة ورام الله والخليل عن حل المشكلة الفلسطينية الإسرائيلية، الذي يتمثل في دولة علمانية ثنائية القومية يتعايش فيها الجميع معًا ..

نظر إليَّ في رقة، كأنما يرثي لضعف عقلي، وقال: "هذا حلم مستحيل"، وضحك ساخرًا: "فلسطين ستكون جمهورية إسلامية، حيث سيُتسامح مع جميع مؤمني الديانات الأخرى، مسيحيين ويهود، بشرط أن يقبلوا العيش تحت مبادئ القرآن"

وسأله يوسا، أن هل ستقبل حركتك الجهادية بنزع السلاح، تلبية لمطلب رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، في شأن المفاوضات التي ستجعل إسرائيل تسحب جيشها بالكامل من غزّة، ونقل الرد المقتضب الحاسم للشيخ:

"لن ننزع سلاحنا أبدًا"

أما ختام هذا الفصل فكان طريفًا، كان يوسا مع مرافقيه، ضيفًا لعرض عسكري قام به رجال المقاومة الملثمين على شرف الضيوف (ربما!) وإحدى الفقرات كانت تمثيل عملية تفجير لدبابة، وهنا مال إليه أحد الصحفيين الفلسطينيين العرب، وهمس في أذنه وهو يشير إلى الرجال الملثمين:

 "هذه ستكون أسوأ مشاكلنا عندما نصل إلى الحرية؟ فكيف يمكن لنا، كمجتمع ديموقراطي، أن نعمل مع فصائل مسلحة لا تصلح لفعل شيء سوى إشعال الحروب؟!"

لم يجيبه يوسا بشيء ولكنه عقّب بعد تلك الكلمة السابقة يخاطب قارئه:

كان على حق تماما بالطبع

ثم لاحظ وهو في وسط هذا العرض العسكري وبين حشد الرجال الملثمين ببنادقهم، أن ابنته مورجانا هي المرأة الوحيدة الحاضرة وسط هذا الحشد (أتذكرون كلامه عن زوجة الشيخ عزام؟) وكانت تتحرك بينهم لالتقاط صور العرض، فمال إلى أذن صديقها اليهودي المرافق له كذلك، وقال له: "ستيفان، انظر، مورجانا هي المرأة الوحيدة هنا!"، فأجابه صديقها بصوت هامس: "بل أنا هنا اليهودي الوحيد"

وهنا انتهى المقال، وتخيّلوا أنفسكم مكان الشريحة المستهدفة من القراء، فهي مقالة في جريدة إسبانية واسعة الانتشار في إسبانيا وأمريكا اللاتينية، فما رأيكم؟ فها هو على جانب: المسلم المتزمت الذي لن يتخلى عن سلاحه أبدًا حتى في حال إقرار السلام، وها هو على الجانب الآخر: اليهودي المتزمت الوفيّ لتعاليم التوارة والذي لن يعيد أرض الميعاد إلى العرب أبدًا، وكلاهما يريد أن يعيش الآخر تحت ظل دولته الدينية، ثم ها هو بينهما يكمن التسامح والحرية وتقبّل جميع القوميات في دولة واحدة علمانية لا تلقي بالاً لاختلاف الأديان، ثم انظروا مرة ثانية، كقرّاء مستهدفين، لعنوان كتاب يوسا الثانوي الذي وضعك فيه أمام خيارين واضحين: "السلام أو الحرب المقدسة؟"ليس السلام مقابل العنف، لا، بل السلام مقابل المقدسات، إذن، هل تشعرون بذرة واحدة من التردد في شأن اختيار الإجابة الصحيحة؟

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق