بين القرآن والشعر

بين القرآن والشعر

أحمد فضيض

أحمد فضيض

بتاريخ نشرت

قرأت اليوم ما قاله طه حسين في  كتابه "مرآة الإسلام" عن التفرقة بين أسلوب القرآن وأسلوب الشعر، قال طه حسين:

"فهو (أي القرآن) في صورته الظاهرة ليس شعرًا لأنه لم يجر في الأوزان والقوافي والخيال على ما جرى عليه الشعر، ثم هو لم يشارك الشعر الذي أَلِفَهُ العرب في قليل أو كثير من موضوعاته ومعانيه، فهو لا يصف الأطلال والربوع، ولا يصف الحنين إلى الأحبة، ولا يصف الإبل في أسفارها الطوال والقصار، ولا يُغرق فيما كان الشعراء يُغرقون فيه من تشبيهات للإبل والصحراء والرياض والأشجار والحيوان والصيد وأدواته، لا يعرض لشيء من هذا كله، وليس فيه غزل ولا فخر ولا مدح ولا هجاء ولا رثاء، وهو لا يصف الحرب وما يكون فيها من الكر والفر، وهو لا يبالغ ولا يغلو ولا يعدو الحق"

إلا أن هذا القول قد يحتمل الأخذ والرد، والردّ عليه أن القرآن فيه ما ألفه العرب من نواحي حياتهم وذكروه في شعرهم، مثل الأطلال والربوع (وإنكم لتمرون عليهم ..)، والحنين إلى الأحبة (قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف ..)، ووصف الإبل في أسفارها الطوال والقصار (وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس ..)، والتشبيهات والصور الاستعارية المستخدمة في الشعر كذلك مثل: (اشتعل الرأس شيبًا،  ترمي بشرر كالقصر، كأنه جمالة صفر، حتى يلج الجمل من سم الخياط .. إلخ)، وعبارات الغزل: على لسان امرأة العزيز: (قالت: هيت لك) والفخر: على لسان فرعون: (قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي)، ووصف الحرب وما يكون فيها (إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون، هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا)، وقد لا يعدو الشاعر الحق في قوله الشعر أيضًا ولا يغرق في التشبيه أو المبالغة، هذا كله جائز، وأما آيات المديح فهي في القرآن موجودة للمؤمنين، والذمّ والتبكيت والتوبيخ (بديلاً للمعني السلبي للهجاء) فهي موجودة وموجهة للكافرين والمنافقين، والرثاء يمكن إيجاده، ربما، في سورة الصافات حيث ورد بعد ذكر قصص بعض الأنبياء الواردين فيها، وقبل الانتقال لمَن يليهم، بعث السلام عليهم: "سلامٌ على إبراهيم/ على موسى وهارون/ على إل ياسين)، وهذا يماثل من ناحية ما الرثاء الذي يفهمه شعراء العرب، ذكر بعض مناقبهم في القصيدة، ثم القول في ختام القصيدة مثلاً:

عليكِ سلامٌ لا سلامَ مودِّعٍ = ولكن سلامٌ لم يكُن أخِرَ العهد

سلامُ مُحبٍّ خانهُ حُسنُ صبرهِ = فأصبح في كَربِ الحياة وفي جُهدِ

وأما اختلافه (أي القرآن) عن الشعر لأنه لم يأت على أوزانه وقوافيه، فهذا ليس شرطًا، فما نسميه بالشعر الحديث هو في الحقيقة قديم للغاية، فالشعر كان شعرًا لدى مفهوم الأمم السامية (خاصة) فقبل أن يتطوّر وينتظم في أوزانه وموسيقاه المعروفة حاليًا، فالشعر الحديث في عصرنا هو، ببساطة، انتكاس إلى الخلف، فالعَروض كان آخر خطوة على سلم التطوير والنظام، فلما أراد الشعراء المحدثون التمرّد والظهور عادوا، دون أن يشعروا، القهقري على سلم التطوّر الطبيعي وحسبوا أنهم أتوا جديدًا، ولكن ما يهم الآن من مقولة طه حسين السابقة ليس ما قاله عن الأوزان أو الأغراض، ولكن في "الخيال" وهذه للغرابة ناحية لم يتطرق له بعد أن أفاض في بيان الأغراض المختلفة، وهي ليست بجدّ مختلفة كما بيّنت

فما الفرق، إذن، بين الأسلوبين؟

أحسب أن الفرق باد هنا بجلاء:

قال الله تعالى يصف حال المسلمين في غزوة بدر:

إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْملائِكَةِ مُرْدِفِينَ* وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَامَ* إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ* ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ

وقال عبد الله بن رواحة يصف حال المسلمين في غزوة مؤتة:

جَلَبنا الخَيلَ مِن أَجَأٍ وَفَرعٍ = تُغَرُّ مِنَ الحَشيشِ لَها العُكومُ

حَذَوناها مِنَ الصَوّانِ سِبتاً = أَزَلَّ كَأَنَّ صَفحَتَهُ أَديمُ

أَقامَت لَيلَتَينِ عَلى مُعانٍ = فَأُعقِبَ بَعدَ فَترَتِها جُمومُ

فَرُحنا وَالجِيادُ مُسَوَّماتٌ = تَنَفَّسُ في مَناخِرِها السَمومُ

فَلا وَأَبي مَآبُ لَنَأتِيَنها = وَإِن كانَت بِها عَرَبٌ وَرومُ

فَعَبَّأنا أعِنَّتَها فَجاءَت = عَوابِسَ وَالغُبارُ لَها بَريمُ

بِذي لَجَبٍ كَأَنَّ البَيضَ فيهِ = إِذا بَرَزَت قَوانِسُها النُجومُ

فَراضِيَةُ المَعيشَةِ طَلَّقَتها = أَسِنَّتُها فَتَنكِحُ أَو تَئيمُ


ولا أحسبني في هذا المقام في حاجة إلى شرح أو تفسير كليهما، فهذا متاح لمن يريد، ولكن في هذين الغزوتين، كلاهما، داخلَ الجيشَ الإسلامي الخوفُ عندما رأى كثرة العدو العددية، فأما الآيات فهي تصف ما حدث في تسلسل الأحداث: "إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ"، " أَنِّي مَعَكُمْ" - "فَثَبِّتُواْ" – " سَأُلْقِى" – "فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ" – "وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ"، وهي كذلك تحسن تصوير المشهد العام الكامل، لا سيما من جانبه البلاغي والإيجازي، وتأمل قوله تعالى: " إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ"، فهذه العبارة على إيجازها تعكس كافة ظلال المعنى المراد تمامًا، وراجعوا توسّع الشرح فيها في كتب التفاسير، وستجدون كلامًا طويلًا مسهبًا أدّته ببساطة هذه العبارة القرآنية في وصف طبيعة ما حدث وقتذاك، وفي الآية كذلك من سنن وقوانين الكون ما فيها: " وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ" و"َمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ" و"أَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ"، وكذلك فيها من ذكر الأسباب: وَلِتَطْمَئِنَّ – لِّيُطَهِّرَكُمْ - وَلِيَرْبِطَ

ونقرأ شعر الصحابي في الغزوة، فلا نجد هذا كله، وهذا الذي ذكره لا يعد تسلسلاً للأحداث، إلا حسب ما يقتضي الموقف، وهناك دائمًا شيء جوهري ناقص في تسلسل الأحداث، لأن الشعر لا يأتي بسرد الموقف إلا إذا كان فيه تصوير يريد أن يعبر عنه فيه، فإن لم يكن فيه فهو ليس بشعر، بل وصف ونثر، والوصف صراحة ليس من خصائص الشعر بل يهبط بشاعريته، فالصورة في شعر الصحابي هنا هي صورة الجياد المعدة للحرب والتي سارت بهم كل هذه المشاق ليصلوا إلى العدو، ثم يجدونه كثيرًا فيشفقوا من مواجهته بعد كل المشاق الذي كابدوها ليصلوا إليه، فيقسم إنه سيسير إليهم مهما كان عددهم، فهذه صورة كاملة، وهذا ليس عيبًا في الشعر بل هو جوهره، وهو كذلك ليس مطالبًا أبدًا بذكر الحكم والأمثال والتكلّف فيها، فشعر الحكمة والأمثال يعتبر نظمًا، كشعر الوصف، وليس شعرًا حقيقيًا

فها أنّ المزاج الأسلوبي بين القرآن والشعر مختلف أشد الاختلاف، ولا يكمن الفارق في الأوزان المختلفة أو الموضوعات المتعرض لها، أو الصدق أو المبالغة كما في لفقرة الكتاب السابقة، وإنما هو طبيعة الخيال في الموضوع وحده، (وأقصد بالخيال هنا الخيال الأدبي الذي تُصف به الرواية حتى لو كانت واقعية مئة بالمئة) أما الموسيقى المميزة فهي في الاثنين على نحو ما، وأما المعاني الواردة في القرآن فقد تصح أن تقال في الشعر والنثر، فهناك إذن تشابهات بينهما من نواح، كما أن كون القرآن شعرًا كان من التهم التي وجّهت إليه عند نزوله، ولذلك قال الله تعالى في كتابه ردًا عليها: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين)

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق