حيرة العامل في ديوان الرسائل

حيرة العامل في ديوان الرسائل

أحمد فضيض

أحمد فضيض

رضا يشعر بالرضا ، بتاريخ نشرت

قرأت اليوم حكاية رواها عن نفسه صاحبنا: أحمد بن يوسف، صاحب ديوان الرسائل في عهد الخليفة العباسي الأشهر "المأمون"، يحكي فيها أن الخليفة طلب منه يومًا بالكتابة إلى نواحي دولة الخلافة في الاستكثار من القناديل من المساجد في شهر رمضان، فأعيا عليه، وبات ليلته في بيته أمام الصفحة الخالية وهو لا يدري كيف يفتتح الكلام ولا ماذا يقول فيه ليسوق أمر استكثار القناديل، ولم يكن ثمة مثال سابق ليحتذي أثره، وهذه الحيرة تجعل المرؤ يتعجّب، فقد كان في وسع كاتب الخليفة أن يكتب القرار بشكل غير مذوّق وغير مبرَّر، فما أحد كان سيجرؤ على مخالفته تحت أي صيغة ما دامت قومته مستمده من منصبه الرئاسي، وهذا مثلما يحدث في هذا العصر ومما يُلاحظ على صيغ القرارات الرئيسية، فقد كان يكفي كاتب المأمون أن يكتب إلى الآفاق:

"بسم الله الرحمن الرحيم
قرار سام من الخليفة
على القائمين على المساجد في الدولة كافة أن يستكثروا من القناديل في شهر رمضان المبارك
إمضاء الخليفة
بغداد في 9 من رجب عام 210 هجريًا"

ولكن هذا لم يحدث، لماذا؟ لا أدري، ربما لأن الدولة وقتذاك كانت تستخدم سحر الكلمة المكتوبة كجهاز إعلامي لها، فإنها كانت، في هذا العصر العباسي الذي يسمّى في كتب الأدب بعصر الأدب الذهبي، تحتفي بالأدباء والشعراء وتقرّب منها أهل الكفاءات منهم وتجزل للشعراء العطايا إن قصدوها مادحين، وكلما كانت الرسالة أو القصيدة سائرة كلما لعبت دورها أكثر في الجهاز الإعلامي.

أو ربما لأن الديكور والجرافيك في الجهاز الإعلامي يرتبط بدرجة كبيرة لدى عامة الناس بمصداقية الخبر، فليس عبثًا أن يظهر رئيس الدولة أو الملك في خلفية معتنى بها كثيرًا، كأن يكون في غرفة مكتبه الفاخرة، أو في قاعة واسعة ذات ستائر طويلة مسدلة وأسقف عالية، ويمتد فيها درج تتنصب المنصة الخشبية الفاخرة فوقه وبجوارها العلم الكبير على السارية المذهبة

أو تخيّلوا قنوات الأخبار دون ذلك الإبهار الكامن في رتابة وجدّية مذيع النشرة في بذلته الكاملة الأنيقة خلف مكتبه العريض، ودون موسيقى فقراتها القصيرة والنابضة، ودون خلفية غرفة العمل التي تضجّ بالحياة خلف مذيع النشرة، أو تلك الصورة اللامعة للكرة الأرضية خلفه، ودون ذلك الشريط الأحمر للأخبار أسفل الشاشة الذي لا يني يتوقف عن سيره، ودون هذه الإشعارات الوامضة التي تعلن بين كل فينة وأخرى عن خبر جديد طازج.

فربما كان هذا الإبهار كله لدى العصر العباسي يكمن لديهم في الكلمات نفسها، فبدون هذه الاختراعات الحديثة للإذاعة والتلفزيون والإنترنت لم يتبق تحت أيديهم سوى عجينة الكلمات ليشكّلوا منها وحدها كل عناصر الإبهار، فكانت لا بد إذن من الطول والبلاغة والإقناع والحجة، فمن تلك الناحية كان لا عجب في أن يستهل الكاتب الناثر رسالته بما كان يعرف بالتحميد، فيحمد الله ويثني عليه في سطور عدة من مقدمة رسالته، قبل أن يلج في موضوع الرسالة الرئيسي، وقد يلي التحميد سطورًا عدة كذلك في وصف سداد رأي الخليفة وعدالته، ولا عجب أن الشاعر المادح كان يبدأ قصيدته بمقدمة طويلة طللية أو غزلية لا تمت للموضوع بصلة وينفذ منها بأوهى صلة إلى غرضها الرئيسي، فذلك كله كان من متطلبات الوظيفة في جهاز الإعلام.

أو ربما لا، لا أدري، غير أن صاحبنا صاحب ديوان الرسائل أرهق نفسه في التفكير في كتابة القرار المطلوب منه، فنام من الإرهاق دون أن ينجز شيئًا، فلما نام، وكما حكى بنفسه:

آتاني آت في منامي، فقال: اكتب:

"فإنَّ في ذلك عمارةً للمساجد، وإضاءةً للمتهجِّدين، وأُنسًا للسَّابلة، ونفيًا لمكامن الريب، وتنزيهًا لبيوت الله جلَّ وعزَّ عن وَحْشَةِ الظُّلَمْ"

فانتبهتُ وقد انفتح لي ما أريد، فابتدأت بهذا وأتممت عليه

وربما يقول قائل أن هذا الآتي الذي أتاه في المنام ما هو إلا عمل عقله الباطن بعد أن شغل نفسه طول الليل بالتفكير في كتابة القرار دون جدوى، وقد لا، فقد يكون صاحبنا قد أُلهمَ هذا عبر كائن نوارنيّ، لنبل غرض الموضوع المطلوب منه، ربما، لا أدري!

التعليقات

  • نيزك

    كتابة رسائل مقنعة باسلوب جميل امر حكيم.. الناس سيقتنعون بذلك ويبدؤون بالتنفيذ عن حب ورغبة لا عن اجبار، ألن يؤثر ذلك على اتقان العمل واستمراريته؟
    ايضا سيجعلهم ذلك لن ينقموا على الخليفة ويتكلموا عنه فيما بينهم او ينتشر بينهم سؤال "لماذا نفعل ذلك؟"
    1
    • أحمد فضيض

      هذا صحيح، ولديك وجهة نظر، وانتبهت تحت وقع هذا التعليق أن الخليفة لم يُتعب نفسه في تبرير الأمر الذي أصدره، لقد أصدر فحوى الأمر وكفى، بينما كاتبه الخاص تولى بنفسه صياغته وتسويغه وعرض أسبابه، ولعل بعض هذه الأسباب ذاتها لم تخطر ببال الخليفة، والطريف أن هذا الأمر الذي قام به الكاتب القديم يعتبر أيضًا من مهام جهاز الإعلام في الدولة الحديثة 😀
      2

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق