صديقتان حتى الموت

صديقتان حتى الموت

أحمد فضيض

أحمد فضيض

إحباط يشعر بالإحباط، بتاريخ نشرت

إحداهما حاولت الانتحار للمرة الأولى عام 1953، بينما تأخرت الثانية في إجراء محاولتها الأولى مثلها إلى عام 1955، وكلا التجربتين لم يصبهما النجاح، إلا أن هذه المحاولة الأولى لكليهما ظلّت الموضوع الأثير عندما يجلسان إلى بعضهما البعض، لا شيء سوى الاستفاضة في إعادة رواية تفاصيل المحاولة الأولى، ومثلما قالت الصديقة الثانية في حوار أجرته معها مجلة باريس ريفيو بعد خمس سنوات من نجاح صديقتها في محاولتها الثانية للانتحار عام 1963، من أنهما كانتا يتحدثان عن الموت بكثافة وكثرة طاغية، وكانتا تشبّهان أنفسهما بالعثّ الذي ينجذب في عمى نحو المصباح الكهربائي الذي فيه هلاكه.

ولأن الصديقتين شاعرتان، فقد رثت الثانية الأولى، بقصيدة مباشرة أسمّتها: "وفاة سيلفيا"، فصديقتها هي "سيلفيا بلاث"، الشاعرة الأمريكية المعروفة، تقول فيها ناعتة إياها باللصّة، في عتاب لأنها تسللت إلى الموت وحدها دون أن تخبرها، رغم أنهما يتشاركان في الموت، مثلما يتشاركان الصداقة بينهما:

Thief —
how did you crawl into,
crawl down alone
into the death I wanted so badly and for so long,
the death we said we both outgrew,
the one we wore on our skinny breasts,
the one we talked of so often each time

...
the death that talked of analysts and cures,
the death that talked like brides with plots,
the death we drank to,
the motives and the quiet deed?

 

إلى أن تقول متحدثة عن الموت الذي كان ينتظر كلاهما:

and since that time he waited
under our heart, our cupboard,
and I see now that we store him up
year after year, old suicides
and I know at the news of your death
a terrible taste for it, like salt,

وكيف انفردت الراحلة به دونها، في أسف:

And me,
me too.
And now, Sylvia,
you again
with death again,
that ride home
with our boy

فهذه القصيدة، وهي لم ترثها في غيرها، لا رثاء فيها، وإنما عتاب مرّ من صديق لصديقه، لأنه فعل وحده شيئًا تعاهدا على أن يفعلاه معًا، وفي الخفاء كذلك، وهذا قريبٌ من عتاب رثى به "علي الجارم" صديقه "أنطون الجميّل" لأنه سبقه إلى الموت:

يا أخي هل يليقُ أن تدخلَ البابَ أمامي وأنتَ أصغرُ سنَّا؟!

قف! تأخّر! قد كنتَ تُعلي مكاني، ما جرى؟ ما الذي نبا بكَ عنَّا؟!

يا أخي هل تُجيبُ إن هتف الشوقُ حبيبًا صِدْقَ الوفاءِ وخِدْنَا؟

إن اكنْ فيكَ دانِيَ القلْبِ بالأمسِ فروحي لروحِك اليومَ أدْنَى

أتراني إنْ حان حَيْني قَميناً أن أرى في ذَراكَ ظِلاًّ وسَكْنَا

نَمْ قريراً فإنَّ في ضجعة ِ القبر سلامًا للعالمينَ ويُمْنَا

إنْ يكنْ في الحياة ِ مَعنىً مِن الصفْوِ، فما للحياةِ بعدكَ معنى

 

غير أن "علي الجارم" توفى، طبيعيًا، بعد أقل من عام على وفاة صاحبه أنطون الجُمَيِّل، في وفاء جميل بينهما، ولكن "آن سيكستون" - صديقة "سيلفيا بلاث"، وصاحبة تلك القصيدة والكلمات عنها -  تأخرت بها عزيمتها سنينًا، إلى أن عزمت على القيام بمحاولتها الثانية في الانتحار، عام 1974، أي بعد أحد عشر عامًا من انتحار صديقتها، ولقد صادفها النجاح هذه المرة.

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق