مرآة البحتري

مرآة البحتري

أحمد فضيض

أحمد فضيض

سخرية يشعر بالسخرية، بتاريخ نشرت

قيل عن البحتري في مستهلّ رواية شهيرة عنه في كتب الأدب، إنه كان من أبغض الناس إنشاداً، يتشادق ويتزاور في مشيته مرة جائياً، ومرة القهقرى، ويهزّ رأسه مرة، ومنكبه أخرى، ويشير بكمه ويقف عند كل بيت، ويقول مخاطبًا نفسه: "أحسنتُ واللهِ"، ثم يقبل على المستمعين فيقول: "ما لكم لا تقولون لي أحسنتَ؟ هذا والله مما لا يحسن أحد أن يقول مثله"، وكانت له كذلك عادة في الاعتناء والتفنن في البيت الأول لقصيدته، ثم عند كل موضع توقّف في إنشاده للقصيدة يعيد إنشاد بيته الأول ذاك مرة أخرى.

وهذه قد تكون صفات الشخصية النرجسية، فصاحبها يهتم بنفسه كثيرًا ويهتم بسماع إعجاب الناس فيه وفي عمله، وقد كان للبحتري نتيجة لذلك أعداء وحسّاد، وهجاه عدد وافر من الشعراء المعاصرين له بسبب شذوذ طبعه مع موهبته الشعرية الضخمة، ولعلّ لذلك أن تلك الصفة التي قيلت كذلك في كتب الأدب عن أنه كان رثّ الثياب وسخًا مع غناه ويساره، لعلها كانت تشنيعًا عليه على غير الحقيقة، لأنها صفة جاءت مفردة هكذا، دون رواية، ولو مختلقة، تؤيدها، مثلما هذه الرواية الواحدة كذلك التي تروى عن كيفية إنشاده النرجسي وقوله لنفسه في كل حين: "أحسنتُ والله!"

وقد غضب يومًا "علي الجندي" وهو يدفع عن البحتري تهمة قذارته، وقال ما معناه: "كيف يكون وسخًا رث الثياب وهو جليس الأمراء والخلفاء، يجلس إليهم في مجالسهم فلا يقرفون منه"، واستشهد بقول البحتري نفسه في صفة النديم:

ونَديمِ حُلْوِ الشَّمَائِلِ كالدِّينار، محضِ النِّجَارِ عذْبٍ مُصفَّى

فما دام كان هو بنفسه نديم الخلفاء، وكانت هذه صفة النديم المستحسن لديه، فلن يخالف قوله فعله في هذا المقام العالي بالذات، وهذا دفاع جميل عن قضية قذارة هيئة البحتري، غير أنني وجدت في ديوانه ثلاثة أبيات، ورأيتهنّ على قصرهنّ يثبتن قضية نرجسيته، وينفين في الوقت نفسه قضية قذارة هيئته، أما هذه الأبيات فهي قول البحتري متحدثًا عن مرآته:

عاديتُ مرآتي فآذنتُها = بالهجر، ما كانتْ وما كنتُ

كانت تريني العمرَ مستقبلاً = وهي تريني الفوتَ مذ شبتُ

واعمرا! نوحاً لفقدانهِ = سيّانِ عندي شبتُ أم متُ

فمن ناحية أنها تنفي عنه صفة قذارة ملبسه ورثاثة هيئته، فهذا واضح في الأبيات، فما ظنكم بمَن كان يتعهّد النظر في المرآة طول عمره، ويفزع من حلول الشيب به لأنه ينتقص من جمال مظهره؟ فهل مثل هذا الشخص قد يقال فيه إنه رث الهيئة أو لا يُعني بثيابه؟!

ومن ناحية أنها تثبت نرجسيته، فهذا واضح فيها كذلك، وحسبنا أن نرجس، حسبما تروي الأسطورة اليونانية، كان فتى بديع الجمال مغترًا بنفسه، ورأى يومًا صورته منعكسة على مياه النهر وهو يسير في طريقه، فتوقف ودنا على ركبتيه ليمعن النظر في انعكاس وجهه الجميل على صفحة النهر، فوقع في تلك اللحظة في حب صورة المنعكسة وبات لا يريم موضعها، وهو، وأتباعه، غالبًا ما يصوّرون حديثًا في صورة شخص يحمل مرآة في يده ولا يحوّل بصره عن انعكاس وجهه في صفحتها أنَّى يسير .. فها هنا مرآة، وها هنالك مرآة، وما بينهما تنعكس شخصية صاحبها.

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق