بين الزيادة والنقصان

بين الزيادة والنقصان

أحمد فضيض

أحمد فضيض

بتاريخ نشرت

توقفت اليوم، قبل أن أطوي الكتاب عند هذه الصفحة، عند قول طه حسين في كتابه "مرآة الإسلام":

والإيمان يزيد وينقص ولا داعي لتكلّف الدليل على ذلك، فقد نَصَّ الله ذلك في القرآن، في الآية التي أثبتناها آنفًا من سورة الأنفال، حيث يقول: " وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا"، وفي الآية التي أثبتناها أيضًا من سورة آل عمران، حيث يقول الله: "الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل"، وما تجوز عليه الزيادة يجوز عليه النقص، ومن أجل هذا يُذكر في حديث الشفاعة أن الله يقول لنبيه حين يشفع عنده في أمته: "اذهب فأخرج مِن النار مَن كان في قلبه مقدار حبة من إيمان"، ثم يقول له في آخر الأمر: "اذهب فأخرج مِن النار مَن كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان.

وإننا ندري لماذا أردف رأيه في أن الإيمان يزيد وينقص بقوله: "ولا داعي لتكلّف الدليل"، وما هذا إلا لأن هذه المسألة طالت حوالها المباحثات والأقوال، ولكنه مع ذلك، أي طه حسين، لم يأت بحجة بالغة، فالآيتان تثبتان أن الإيمان يزيد، سلمنا بهذا، غير أن حديث الشفاعة لا يثبت له نقصًا أو زيادة، فما ورد فيه هو فقط نصيب الأفراد المخرجين من النار من الإيمان، سواء حبة أو خردلة أو مثقال، فأين ذكر الزيادة أو النقص في هذه الأحجام؟ بل لعلها كانت هكذا في الأصل لديهم ولم تنقص قط

فالقاعدة غير مطردة، ثم أنه ليس شرطًا أن ما يتعرض للزيادة يتعرّض أيضًا للنقص، فالعمر يزيد ولا ينقص، والقوة مع التقدم في العمر تنقص ولا تزيد فوق مستواها السابق في عهد الفتوة والشباب، كما أن هذه القاعدة المنطقية ذاتها: "ما تجوز عليه الزيادة يجوز عليه النقص" كانت مما اعتمد عليه الإمام مالك بن أنس فيما ذهب إليه من أن الإيمان ينقص ويزيد، ثم عندما راجع نفسه فيما بعد وجد أنه ليس ثمة أثرًا واحدًا في القرآن والسنة يثبت عليها صفة النقص، فتراجع عن رأيه في النقص في شجاعة مأثورة عنه، بل أنه من شدة تورّعه في أعوامه الأخيرة على الأرض، ذُكر عنه أنه في مرض موته بكى، وقال: "والله لوددت أني ضُرِبتُ في كل مسألة أفتيت بها برأيي سوطاً سوطاً. وقد كانت لي السَّعةُ فيما قد سَبقتُ إليه. وليتني لم أُفتِ بالرأي".


التعليقات

  • ماجد القاضي

    قصدت تفنيد فكرة (أن زيادة الشيء لا تعني بالضرورة قابليته للنقصان)!
    0
  • ماجد القاضي

    معك في تفنيدك لدليل طه حسين.
    0
    • أحمد فضيض

      هذا ليس تفنيدًا بهذا المعنى، فقط ما تزال المسألة مفتوحة، وطه حسين رمز لا يستهان به وكتابه هذا به من الفائدة الكثير، وقد كتبه ليعطي صورة عامة موجزة (كالمرآة) عن الإسلام وقت نزوله، وأحبّذ بالتأكيد قراءته لمن يرغب
      0

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق