أن تقرأ مذكرات زوجة سفير

أن تقرأ مذكرات زوجة سفير

أحمد فضيض

أحمد فضيض

بتاريخ نشرت

قد تصادف كتاب مذكرات تحت يديك لشخص لا تعرف عنه شيئًا من قبل، ثم لما تبدأ في قراءته تكتشف أن صاحبته هي زوجة سفير أمريكا في الاتحاد السوفيتي! وزوجة السفير وصاحبة تلك المذكرات التي قرأتها، هي، لادي دوغلاس، وزوجها دوغلاس كان سفيرًا لأمريكا في روسيا في الاتحاد السوفيتي، خلال عامين تقريبًا في أول الخمسينيات من القرن المنصرم، ابتدأتا في المذكرات بإنباء زوجها لها بالخبر:

قاطعته قائلة: قف! لاتدعنا نذهب إلى روسيا، إنني أعني ما أقول .. لا .. تدعنا .. نسافر .. إلى ..روسيا!

فأجابني: لا تكوني غبية!


وانتهتا بهذه الجملة:

روسيا .. لن ينساها المرء أبدًا


وهي تحمل معانيًا عدة، ولأنني اخترت هذا الكتاب الصغير عشوائيًا تمامًا لأقرأه من رتل طويل من الكتب الصغيرة القديمة، فلم أكن أدري قط عما يتحدث، وحسبته من نتاج الدعاية الشيوعية في العالم وقتذاك، ولاسيما أن الفترة التي تتناولها المذكرات تغطي الفترة من يونيو 1949 إلى أكتوبر1951، وكانت الشيوعية خصبة في هذه الأثناء تحت ظلال ستالين الكهل الذي كان يعيش في قوّة وسلطة مطلقة، أيامه الأخيرة، ولكن هذه المذكرات لم تكن هكذا، كانت موجهة في الأساس لبيان مدى تسلّط ستالين على شعبه والمن عليه، والفقر المدقع الذي يعيش فيه شعبه، والأسعار الباهظة التي يرضخ الشعب كله تحتها، حتى بالنسبة إلى صاحبة هذه المذكرات، زوجة السفير الأمريكي، فهذه المذكرات متخمة بالتعجب من الأسعار الفادحة لكل شيء حولهما ورغم قراءتي لهذا الكتاب بعد كل هذه السنوات التي تتحدث عنها فما زلت بكل عصريّتي الحالية أشاطرها الدهشة البالغة من الأسعار المذكورة، فهناك في روسيا كان أدنى خاتم ذهبي يباع بثمانين دولار، وأدنى فستان حريري للسيدات يباع بمائة، والبذلة الرجالية الرديئة من الدرجة الثانية يبتدأ سعرها من 275 إلى 300 دولار، والفواكه والخضروات تباع بالقطعة ولقد اشترت صاحبة المذكرات الخيار النحيل الصغير بدولار واحد لكل قطعة!


وهذه أبرز أحداث الكتاب، بجانب ما ذكرته عن الملابس التي ارتدتها في المناسبات، والحفلات التي حضرتها، والتي أعدّتها، ولاسيما حفلة يوم الاستقلال الأمريكي، وحالات الطقس، وقوائم الطعام، والاعتناء بالحديقة وشكاوى بعض الموظفين العاملين في السفارة إليها، ورحلات خارجية جانبية قامت بها خلال العامين، إلى البلجيك وألمانيا وغيرها، استغلتهن في شراء احتياجات السفارة وبكميات كبيرة، هربًا من نار أسعار الاتحاد السوفيتي


صراحة، لغة المذكرات نموذجية حسب أسلوب المذكرات الشخصي والعفوي المعتاد، ولا تعتبر ركيكة على الإطلاق، ولكنه وفي نقطة مبكرة بدا الكتاب مملاً للغاية وعاديًا أكثر من اللازم، ولكن يجب أن اسأل نفسي أولاً: "ماذا كنت أتوقّع من قراءة مذكرات زوجة سفير؟" خاصة مع ضآلة شأن هذا السفير نفسه في التاريخ، ولقد مكث في روسيا قليلاً دون أن يرتبط وجوده بحادثة مثيرة أو موقف هام، نعم، مصدر التشويق الأساسي لترجمة الكتاب أن رأسمالية أمريكا وشيوعية روسيا كانتا على طرفي نقيض رغم وجود التمثيل الدبلوماسي بينهما في تلك الفترة الحرجة، ولكن .. مهما يكن! كانت مذكرات تثير السأم، وكأنك تشاهد مناقشات السياسة الساخنة تدور بالقرب منك في غرفة الصالون بينما أنت في الخلف منشغل بإعداد الطعام في المطبخ!

التعليقات

  • أحمد فضيض

    وهذا مما أحب لأجله قراءة كتب المذكرات، ولهذا أختارهم بصفة عشوائية كما حدث مع هذا الكتاب، لأنه ينقل فيه ما يتجاهله التأريخ عادة كما ذكرتَ .. هذه هوايتي السريّة :D
    0
  • ماجد القاضي

    شخصيا أرى مثل هذا الكتاب تأريخ ممتاز لتلك الفترة، خاصة لروائي أو سيناريست يكتب فيلما عن هذه الفترة، هنا يصبح لديه معلومات عن التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية وقتها والتي قد لا تذكر في كتب التاريخ التقليدية!
    كالعادة أسلوب مشوق وسلس في العرض.
    0

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق