قصة صالحة

قصة صالحة

أحمد فضيض

أحمد فضيض

بتاريخ نشرت

يقول الخبر: فازت الطفلة الفلسطينية "صالحة حمدين" بجائزة هانز كريستيان الدولية للقصة الخيالية، من بين 1200 عمل من أنحاء العالم، عن قصتها الخيالية "حنتوش". وتسكن هذه الطفلة في تجمع لعرب الجهالين في بلدة أبو ديس المحاذية لمدينة القدس، وتذهب في قصتها الخيالية الفائزة على ظهر صديقها الخروف "حنتوش" ليأخذها الى إسبانيا، ويبعدها عن أجواء عملية هدم يقوم بها الجيش الإسرائيلي لأحد منازل منطقتها

 ونَص هذه القصة، التي طُبعت في كتاب قصصي مصوّر للأطفال، هو:

إسمي صالحة، أنا من مدرسة عرب الجهالين، أعيش في خيمة صغيرة في وادي أبو هندي، عمري 14 سنة. في النهار أدرس في مدرسة القصب، وقد صنعوها من القصب لأن الجنود أعلنوا أن أرضنا منطقة عسكرية مغلقة، حيث يتدربون على إطلاق النار في منطقة الزراعة.

يعيش معنا في الخيمة سبعون نعجة، وأقوم أنا بحلبها بعد أن أعود من المدرسة، وأصنع الجبن ثم أبيعه لأهل المدينة.

الطريق هنا وعرة لأن الجنود يمنعونا من تعبيد الطريق، ويتدربون على إطلاق النار في الليل، وأنا أكره صوت الرصاص، أكاد أجن منه، فأهرب، نعم أهرب.

لا يوجد لدي دراجة هوائية، لأن الطريق وعرة، ولا سيارة عندي ولا طيارة، لكن عندي شيء أستخدمه للهروب. اقتربوا، اقتربوا، سأوشوشكم سراً، عندي خروف يطير اسمه حنتوش، لونه أسود وأذناه طويلتان، له جناحان سريان يخبئهما داخل الصوف، ويخرجهما، ونخرجهما حين أهمس في أذنيه

"يا حنتوش يا خروف

أطلع جناحيك من تحت الصوف"

أغني في أذنيه، فيما يبدأ الجنود بالتدرب على إطلاق الرصاص، وأركبه ويطير بي، والبارحة هربنا إلى برشلونة. سنقول لكم شيئاً، في وادي أبو هندي لا يوجد ملاعب أصلاً، لأن الأرض مزروعة بالألغام.

وفي برشلونة قابلنا "ميسي" صاحب الأهداف الكبيرة، لعبنا معه لساعات طويلة، خروفي حنتوش كان واقف حارساً للمرمى، وأنا أهاجم ميسي وفريقه، أدخلنا في مرماهم خمسة أهداف.

أراد ميسي أن يضمني أنا وحنتوش إلى فريق برشلونة لكننا رفضنا، نريد أن نعود إلى أبو هندي لأن الأغنام هناك تنتظرني فلا يذهب أحد غيري ليحلبها، فأبي في السجن منذ ست سنوات وبقي له تسعة عشر سنة. سأقول لكم سراً: أخبرني ميسي انه سيزور وادي أبو هندي بعد سنتين.

سنقيم مونديال 2014 في وادي أبو هندي، سننظف معاً الأرض من الألغام، وسنتبني أكبر ملعب في العالم، وسنسميه ملعب حنتوش، وسيكون الخروف شعار المونديال.

وهو خيال جعلنا نستدل على واقعها، هذا الذي جعل الطفلة تعرف معنى كلمات: منطقة عسكرية، وحقل إطلاق النار، ومنطقة مزروعة بالألغام، والسجن الطويل الذي تحسب ما تبقى منه حتى خروج والدها بعد تسعة عشر سنة! وجعلنا نحن نعرف أنه ليس ثمت تعليم حقًا في هذه المنطقة وأنها وأهلها في حصار مستحكم من كافة نواحيه

وقرأت أن هذه القصة تدل على حب الفلسطيني لأرضه، ونعم، فالفلسطيني لم يخن قط قضيته، غير أني أحسب أن هذه الطفلة لم تتشرّب بعدُ هذه المعاني الغالية، ومع ذلك فها نحن نراها اختارت أن تعود إلى خيمتها الصغيرة، وإلى خروفها وعنزاتها وأرضها المزروعة بالألغام، وإلى صوت إطلاق الرصاص الذي تكره من كل قلبها

ولكن لماذا؟ لماذا اختارت أن تعود؟

أما هي فقد أجابت قائلة:

"لأن الأغنام هناك تنتظرني فلا يذهب أحد غيري ليحلبها، فأبي في السجن"

بل لأن هذا هو عالمها كله، فهي لا تدري وهي في الرابعة عشرة من عمرها شيئًا عن وجود العالم خارجًا، وهامش التسلية لديها بعد أداء مهماتها ينحصر في مشاهدة فريقها المفضل يلعب كرة القدم، مجرد المشاهدة، فهي أوضحت لنا أن الألغام والرصاص منعا أطفال واديها حتى من الحركة الحرّة التي يندفع إليها كل طفل في عالمه الطبيعي

ولكن كان حسبها من برشلونة أن هذا هو اسم فريق لاعبها المفضل، ولا يهمها أين يكون موقعها من الخريطة، ولعلها سألت شقيقها قبل كتابة هذه الكلمات في قصتها: "أين تلعب برشلونة؟!"، فأجابها بسذاجة: "في برشلونة!"، فهي رأت مهربها الخيالي يكمن في مصدر تسليتها المتكررة في مشاهدة فريقها المفضل برفقة أهل واديها المتجمعين أمام شاشة التليفزيون الصغيرة أو أمام شاشة أصغر لهاتف محمول لأحدهم، ولا شيء غير هذا، فلمّا تخيّلت، تخيّلت لحظات تهرب فيها من عالمها كما تعرفه وتعرف مسؤوليات حلب الأغنام وصناعة الجبن وبيعه لأهل المدينة التي تضطلع بالقيام بهن جميعًا، ولذلك فكانت أقصى أمانيها أن يعبر بطل التسلية لديها، هذا الخط الفاصل بين الواقع الذي لا تعرف له بديلاً، وبين الخيال واللهو والتسلية كما تعرفهن، وأقصى ما أرادته من عالمها الواقعي هو أن يُصلح يومًا، بعد تنظيف الأرض من الألغام، لبناء ملعب عليه، وذلك بمساعده بطلها الخياليّ، ولكن ليس الآن، حتى في عالمها المتخيَّل! لأنها تعرف أن تلك المهمة جدّ مستعصيّة

 وعلى هامش القصة، حدثت طرفة، فبينما كنت أبحث عبر جوجل على صورة لصالحة لكي أرفقها، وجدت موقع أخباري قام بتغميم وجه الطفلة بحيث لا تظهر ملامحها، لا لشيء سوى كونها أنثى، بدليل أن أخبار الموقع السابق تغص بصور المسؤولين ورجال الدولة في غضون صفحاته، غير أن الطرفة كمنت في احتفاظهم بكلمة "الطفلة" في العنوان!

التعليقات

  • Suad

    إنت متخيل إنك تعيش من أول ما تنولد وانت متأهب! متأهب وانت طالع من الدار! وانت مروح من المدرسة، الجامعة، الشغل! انك لما تطلع من مدينة لمدينة بتودع اهلك! متخيل انك تعيش حياتك عارفة انه باي لحظة ممكن تكون النهاية لواحد من عيلتك، لاصحابك،لحدا بتعرفه! مش من فراغ خيالنا كبير، لأنه عشان تعيش بالواقع هاد لازم يكون عندك خيال أكبر منه، على الأقل يشجعك تصحى بكرة...
    0
    • أحمد فضيض

      أهلاً أكرمَ الناس، كان الأكثر عجبًا من كل هذا أن خيالها تعامل مع كافة ما ذكرتِ كأنه عالمها المعتاد فلم تتمن قط تغييره، وكان بوسع حنتوش في خيالها أن يكون بطلاً خارقًا هو الآخر وينقض على الأعداء، ولكن لا، كل ما كانت ترغب فيه هو الخروج للعب في مكان "صالح لذلك" ثم العودة منه للواقع الذي لا تعرف له بديلاً، ولو عرفت لتمنت في خيالها أكثر مما تمنت، لعلي لم أوضح ما شعرتُ به إزاء قصتها، ولكن الخيال دائمًا قطعة من الواقع، وحتى أعظم بُنّاء العوالم الخيالية لم يتخيّلوا شيئًا قط منفصلا عن الواقع، فكل أعجوبة لها أصل واقعي بولغ فيه بعناصر واقعية كذلك وإن كانت مستعارة من جوانب واقعية أخرى، كالخروف الذي يطير، فالعنصران المتحققان فيه واقعيان، وليس للمتخيل، مها اجتهد، فضل سوى الدمج بينهما
      وعذرًا لقصور توصيلي لما أردت
      1
      • Suad

        لا أبدًا، أنا أشكرك على رواية قصتها ورواية ما شعرت به تجاهها... شكرا لك.
        0

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق