مشهدان وخاطرة

مشهدان وخاطرة

أحمد فضيض

أحمد فضيض

حزن يشعر بالحزن، بتاريخ نشرت

المشهد الأول:

ركبنا الأوتوبيس ذات يوم فصعد رجل عملاق بادى الترف والثراء، يعلق سلسلة ذهبية بصدره وفى فمه سيجار ضخم، ثم ما لبث أن استسلم فى ركن من العربة، وراح يغط غطيطًا يرهق الأعصاب، وصعد نشال فى مقتبل العمر، جميل الصورة، وهمّ بأن يخطف السلسلة لكنه أدرك أن أبى يلمحه، فأشار إليه إشارة برأسه مؤداها: هل آخذها؟ فأجابه أبى برأسه «خذها»، فنشلها الشاب ونزل، بعدما حيّا أبى برفع قبعته له! ولم يكد ينزل حتى التفت إلى أبى وقلت:

هل يصح أن تترك النشال يأخذ سلسلة الرجل وهو نائم؟

 فأجاب:

شيء عجيب يا بنى ! لو كنت مقسما الحظوظ فلمن كنت تعطى السلسلة الذهبية؟ أكنت تعطيها عملاقا دميما أم شابا جميلا؟

فقلت:

 كنت أعطيها الشاب الجميل

 فأجاب ببساطة:

ها هو ذا أخذها!

المشهد الثاني:

وألقى نظرة ذاهلة على ما يحيط به من آي الثراء، ثم تساءل بصوت منخفض:

- هل يثير موت رجل كأحمد بك حزنًا في نفوس ورثته؟

فقال حسين بنصف وعي:

- أما كنا نحزن لوفاة والدنا لو كان غنيًا؟

فقطّب الشاب متفكّرًا، ثم قال:

- هذه مسألة أخرى ..

- ولكنها كل شيء، خبرني كيف صار هذا البك غنيًا؟

- لعله وجد نفسه غنيًا

والتمعت عينا حسنين العسليتين وقال:

- يجب أن نكون جميعًا أغنياء

- وإذا لم يكن هذا؟!

- إذن يجب أن نكون جميعًا فقراء

- وإذا لم يكن هذا؟!

فقال بحنق:

- إذن نثور ونقتل ونسرق

فابتسم حسين قائلاً:

- هذا ما نفعله منذ آلاف السنين

إضاءة على المشهد الأول:

شخصيتا المشهد الأول، هما شوقي وابنه حسين، وهذه القصة رواها الثاني عن أبيه في كتابه: "أبي شوقي"، وجرت أحداثها في برشلونة، في المنفى الإسباني الذي اختار شوقي النفي إليه، بعد أن قررت قوات الاحتلال البريطانية إبعاده عن مصر لصلته القوية بالخديو السابق المعزول من قبلها، عباس حلمي، وكانت فترة النفي هذه شديدة الوقع على شوقي، فقد تنكّر له الجميع وابتعدوا عنه في وطنه، خلال هذه الإزمة، وكان يحمل كل يوم همّ توفير قوت أسرته من الموارد التي لا تنفك تنفذ بسرعة من بين يديه، وكان فاقد الأمر في أن ترد إليه أموال من بلده، وفي هذه الأجواء المحبطة والنظرة الزائغة إلى المستقبل غير المعروف، وقعت حادثة الباص والسلسلة الذهبية المتدلية والنشال


إضاءة على المشهد الثاني:

هذه القطعة الحوارية الفاتنة كتبها نجيب محفوظ في روايته "بداية ونهاية، التي تحكي عن قصة مات عائلها، فتدهوّرت أحوال أسرته بعدها إلى الحضيض، وباعت الأم جميع ما تملك، وعملت الأخت خياطة لدى الأسر الغنية، وخرج الابن الأكبر "حسن" عن سيطرة الأسرة وذهب وحده يختط طريقه في وسط عالم قذر، وضحّى الابن الأوسط "حسين" بفرصة تكملة دراسته العليا ليعمل بشهادة الثانوية، لشدة حاجة الأسرة إلى المال من وراءه، وأما الأخ الأصغر "حسنين" فقد تعلقت خطبته لظروف الأسرة إلى أجل غير مسمى، وفي هذه الأجواء المحبطة كان موضع هذه القطعة الحوارية عندما ذهب حسين مع شقيقه الأصغر إلى قصر أحد معارف والده القدماء، ليسأله أن يساعده في العثور على وظيفة ما بشهادته الحالية

خاطرة:

تقسيم الحظوظ الذي أشار إليه شوقي، هو الذي لم يجعل الناس جميعًا أغنياء أو فقراء في رأي حسنين، وفاوت بينهما، وهو الذي أباح لهما أن يفكّرا في أن خير وسيلة لتحقيق التعادل هو أن يسرق الفقراء من الأغنياء، وهذه نظرة مفهومة من كليهما في هذا الوضع، ولا يملك إنسان أن يلومهما، ولهذا لا تقوم الثورات إلا من الفقر، وإن قامت فإن آخر من يؤيدها هم الأغنياء، وذلك حين يرون أن ميزان القوى مال لصالحهم، ولأن مصلحتهم في هذا الميزان، فهم يميلون حيث يميل، وإن تعرضت مصالحهم للخطر للخطر، في ظل النظام أو الثورة، فهم أول من سيتحرّك للقضاء عليها، أيهما كانت، وهذا مفهوم ومبرر، فالفقر أو خوف الفقر، كلاهما، دافع لا يُستهان به، ولذلك روي عن الإمام علي أنه قال: "لو كان الفقر رجلاً لقتلته"

وما أظن إلا أن شوقي وحسين (الشخصية الروائية) ينتميان إلى جانب واحد، وهو الجانب النظري للفكرة، فكلاهما عاقل يائس، وكذا فأن النشال الوسيم وحسنين، ينتميان إلى جانب مقابل لهما، يمثل الجانب العملي للفكرة، فكلاهما مندفع يائس، وكلاهما مع ذلك شاب في مقتبل العمر، غير أن الخطر كامن في جانب العاقليْن، لا الثائرين، إذا تساويا في اليأس، فالسارق والقاتل والثائر، يسرق ويقتل ويسرق منذ آلاف السنين - كما يقول حسين في الرواية -  دون أن يربط غالبًا وبدون وعي بين سبب هذا السلوك غير السوي منه وبين الجانب النظري الذي يبرره ويشجع له، فكثيرون ينجرّون لهذا الطريق دون أي أسباب أو دوافع على الإطلاق، تكفي سطوة الحاجة وشدتها، بينما الجانب العقلي المنظِّر فهو أكثر خطرًا، ولعله لن يجرؤ أن يمدّ جوارحه للسرقة أو القتل، فالشجاعة في المحل الثاني بعد الشجاعة في الرأي، كما يقول المتنبي، وكما يقول أيضًا في نفس القصيدة أنه: "لولا العقول لكان أدنى ضيغم أدنى إلى شرف من الإنسان" لأنه العاقل برأيه سيصبغ ما يفعل المندفعين الثائرين بصبغة حكم الضرورة، وينظمه في قانون بشري في تصوّره للعدل المثالي في العالم غير مثالي

فالقائل تأثيره أقطع من السيف، وهذا منظور له في قول النبي "صلى الله عليه وسلم": "ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على مناخرهم: إلا حصائد ألسنتهم"، وفي قوله كذلك: "إذا قال الرجل: "هلك الناس" فهو أهلكهم"، فهذا القائل، ولا بد، سيجعل الآخرين يعتروهم اليأس مثله، وسيجعلهم، ولا بد، ينقمون على مجتمعهم الذي أهلكهم، وسيجعلهم، ولا بد، يثورون أو يقتلون أو يسرقون، ولكن مع هذا جميعه، وفيه السرقة والنهب والقتل والتمثيل، سيظل هذا الرجل القائل برأيه، هو: أهلكهم! على الأفضلية

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق