فدوى طوقان، والعاشقان

فدوى طوقان، والعاشقان

أحمد فضيض

أحمد فضيض

بتاريخ نشرت

عقب زيارة متأخرة بالأمس لسور الكتب القديمة اقتنيت ديوانًا صغيرًا لفدوى طوقان، عنوانه: "على قمة الدنيا وحيدًا"، وفدوى شاعرة فلسطينية جميلة ولدت في نابلس بفلسطين عام 1917وماتت فيها عام 2003 بعد حياة حافلة وشهرة عريضة على خريطة الشعر العربي،وضعت خلالها اسمها باقتدار بين أعلام الشعر الفلسطيني الحديث، بين محمود درويش وسميحالقاسم وتوفيق زيّاد، وغيرهم من شعراء الأرض المحتلة.

ومع أن هذا الديوان ليس ديوانًا غزليًا، وإنما هو معجون كسائر دواوينها الأخرى بالقضية الفلسطينية وأحداثها، فكان من الغريب أن وجدت في أكثر من صفحة من صفحاته أثرَ قارئه الأول وحشدًا كثيرًا من كلمات الغزل تحاول أن تحاكي في تعبيرها ولغتها كلمات الشعر، وكان يحدث ذلك منه من خلال تحوير الكلمات الأصلية عن موضوعها الأوّل لتصلح أن تكون رسالة غرام إلى حبيبته "نعمة" (حيث وجدتُ اسمها مكتوبًا أعلى إحدى الصفحات: "إليها إلى نعمة") والمقارنة بين النصين مجحفة ولكنها جديرة بالنظر إليها ليرى كيف يستخدم الفتى العاشق كل الإمكانيات المتاحة تحت يده، ومَن يدري، ربما قد اقتنى الفتى هذا الديوان وهو يظنه ديوانًا غزليًا، وانخدع بعنوانه البراق، فالحب يجعل المرء - أيضًا - يعتلي قمة الدنيا!

في البدء قالت فدوى طوقان صاحبة الديوان، في قصيدة:

تحت شقوق سقفيَ المصدوع

وقفتُ عند الشرفةِ المخلَّعةْ

أحكمُ بالتكوينْ

أنتظرُ الآتي

أصغي لنبضِ البذرةِ الدفينْ

يخضُّ رحمَ الأرضِ

يرضعُ قلبَ السنبلة

يا كيمياء الموت والحياة

متى يصير الرفضْ ..

محرقةً وجلجلةْ؟

فيأتي الفتى العاشق ويكتب على ذات الصفحة موجهًا الكلام إلى حبيبته نعمة:

وأنا واقفٌ عند الشرفة المخلَّعةْ

أحكمُ بالتكوين،أنتظرُ الآتي

أصغي لنبضكِ الذي يخضُّ رَحِمَ الأرض

أرضعُ من قلبك الحاني يا فتاتي

كما يرضعُ السنبلُ ماءَ الحياةِ!

وعندما تقول فدوى في ديوانها:

تنبئني عنكِ الرياحُ في هبوبها

تقولْ

تعويذةُ الشرِّ المحيقِ ههنا

ببيتك المهلهل المشطورْ

معقودةً تظلُّ لاتزولْ

حتى يجيء الفارس المكرّس المنذورْ

..

تقولُ لي يجيءُ من طريقْ

تشقها من أجله الرعودُ والبروقْ

يقول الفتى العاشق:

تنبئني عنكِ الأزهار،من عطر شذاها تقولْ

تعويذة، حتى يجيء الفارس المكرّس المنذورْ

أردفتْ ورائي تقولُ: آتي إليكَ كما

لي تجيءُ من طريقْ

تشقّهُ من أجلي رعودًا (كذا) وبروقْ

وعندما تقول فدوى:

واهاً، كانت العينان تثقبانِ

غابةَ الظلامِ، كانتا

مستودعَ الرؤيا وموطنَ الحُلُمْ

يقول الفتى:

واهًا للعينان

هائمتان دفئًا

مستودع الرؤيا، وموطنالحلم اللقيا

وعندما قالت فدوى:

مددتُ نحوَهم يدي

ناديتُ في حزني وفي نحيبي

يا اخوتي، لا تقتلوا حبيبي

.. 

قال فتانا:

مددتُ نحوَكِ يدي

ناديتُكِ

أمسحُ بالحُبِّ ضلوعَ الصدرِ

فحنوتِ

والسطران الأخيران أخذ كلماتهما البراقة التي تناسب الموقف من تكملة قصيدة فدوى السابقة، فعندما قتل الأخوة الأعداء حبيبها، قالت في الفقرة التالية:

حينَ استراحَ المَوْتْ

وعرَّشتْ حولي غصونُ الصمتْ

حَنوتُ فوقَهُ أنوءُ بالأسى

أمسحُ صدرَهُ المهشَّمَ الضلوعْ

أمسحهُ بالحُبِّ والأحزانِ والدموعْ
..

وعندما تكتب فدوى:

 ولم تزل هنالك الغنوةْ

على شفاه الفتيةِ الفرسانْ

حمراءَ مزهوّةْ

تخترقُ الظلامَ والجدرانْ

.. 

وضع الفتى العاشق خطًا أسفل بعض كلماتها، فقد أعجب (بالتأكيد!) بكلمات مثل: الشفاه، الحمراء، المزهوّة، فكتب عندها تعديله الجديد، كتعبير مقتضب ربما كان ينوي استخدامه في رسالة أخرى:

شفتُكِ الفتيّة

الحمراء المزهوة

وعندما قالت فدوى تصف جوّ الرعب في سجون إسرائيل:

في نصف هذا الليلِ ..آه!

حذاؤه يدقُّ في الدهليزِ .. آه!

مبتدعُ التعذيبْ

آتٍ، وتدنيني خطاه

من غرفةِ التحقيقِ ..آه!

..

أكتفى الفتى بسطر واحد منهايصلح للحب، فكتب إليها قاصدًا نفسه:

آتٍ، وتُقَرِّبُني خُطاكِ

فربما وجد أن كلمة "تقربني" أسهل فهمًا لحبيبته من كلمة "تدنيني"، لا أدري، وأما هذا الفتى العاشق فلم أعرف سوى اسمه الأول، "أحمد"، ولا أدري ما بعده، وعرفت ذلك من عبارة تشبه النصوص المقتبسة، كتبها أعلى صفحة قصيدة "الحزن المعتق"في الديوان، وأعقبها بذكر اسمه الأول، قال فيها:

إنَّ المشاعر الإنسانية واحدة، لا تفرق بين الأجناس ولا الأديان ولا اللغات

                                                                                                      أحمد

وأما تاريخ الرسائل الغرامية فهو يعود إلى أيام متفرقة شهر سبتمبر من عام 1981، فقد كان يحرص على تأريخ كتاباته، وأما حبيبته "نعمة"، فلا أدري ما تتمة حكايتهما، ولعلّي أدري بها فيما بعد في ديوان آخر قد أتعثّر به في سوق الكتب القديمة.

هامش:

كان من مظاهر تجديد فدوى طوقان في هذا الديوان، استخدمها مفردات اللغات الأجنبية في قصيدتها، فقالت في مشهديمثل الجنود الإسرائيليين وهم يدقون الباب بعنف ليقتحموا المكان:

Open the door!

Ouvre la porte!

افتاح إتْ هاديليت!

افتخ باب!

هكذا وردت الكلمات في طبعة الديوان بين يدي، الصادرة من دار الآداب عام 1973، ولكن لشهرة هذه الفقرة وكثرة الاستشهاد بها فقد تعرضت، فيما يبدو، للتشويه بحسن نية، ففي موقع أدب.كوم، حذفوا العبارة الفرنسية بأكملها، وجعلوا مفتتح العبارة العبرية التي تليها: "افتخ" بالخاء لا بالحاء، وبحذف حرف الألف الذي يسبقها في اللغة العبرية،أي بدلاً من "افتاح" المذكورة في النص، وفي موضع أدبي آخر تطوّع صاحبه وجعل"افتخْ" في العبارة العربية الأخيرة إلى "افتحْ"وقد ظنّ ربماأن نقطة الخاء في الديوان هي دائرة السكون وقد طمست الطباعة وسطها، وفي مقالة أدبية أخرى لم يرق لكاتبها الجملة العربية بعد التعديل: "افتح باب" وظنها ركيكة، فبادر من نفسه وعدّلها إلى: "افتح الباب!"! ولكن فدوى لم ترد كتابة الجملة العربية بطريقة صحيحة في السطر الأخير، بل حاكت ببساطة ما يقوله الجنود الإسرائيليون بلسانهم الأعجمي عندما يحاولون نطق الجملة العربية إياها، فاللغة العربية الواردة في السطر الأخير مقصودة بهذه الركاكة، وهذا أدنى لصدق النَّص، كما أن اللغة العبرية تحتوي على حرف الحاء كاللغة العربية، وهذا واضح من السطر العبري الثالث أعلاها، فهذه الركاكة وهذه اللغات المختلفة إنما تشير في التفاتة شعرية جميلة إلى تعدد جنسيات اليهود واختلاف أصولهم وأعراقهم في الجيش خاصة، فهم، في نهاية المطاف، جاءوا باليهود، بعد إغرائهم، من كل مكان وجنسية ولسان ليحتلوا أرضًا ليست بأرضهم، ولذا يُطلق عليهم لقب: شذّاذ الآفاق.

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق