عن الذي كان بينهما

عن الذي كان بينهما

أحمد فضيض

أحمد فضيض

رضا يشعر بالرضا ، بتاريخ نشرت

أنا اسمي «هدى حسن القرني» لكن بعد ما تزوجت الأستاذ «محمد التابعي» أصبح اسمي «هدى التابعي»، ولقد شاركت التابعي جزءًا صغيرًا من حياته الطويلة، ولكن بالنسبة لي كان رغم ذلك كل حياتي، ولعلّي، في البداية، أعتذر لك عن ضعف صوتي، وهو على فكرة ليس ضعفًا وإنما كان يسميه الأستاذ: "همسًا"

صاحبة هذه الكلمات السابقة هي زوجة الكاتب الصحفي المعروف "محمد التابعي"، الذي كان يطلق عليه أمير الصحافة العربية، لأسباب منها وسامته البالغة وعزوبيته الطويلة التي استمرت يضرب بها المثل حتى كان زواجه وهو في الستين من العمر من قرينته هدى، وهناك الكثير ممن يتزوجون رغم فارق العمر الكبير بينهم من جانب وبين زوجاتهم من جانب آخر، هذا مما يحدث في كل مكان على سطح هذه الكرة الأرضية، لأن الحب، فيما يقال، أعمى، فهو يؤلِّف بين اثنين متناقضين في كل شيء، أو يجمع بين رجل في أقصى الشرق وبين امرأة في أقصى الغرب ويكلّفهما مشاقًا عدة في سبيل تلاقيهما، لماذاا؟ لا أدري، هذه من سنن الأرض!

ومع طبيعة هذا الأمر فأنه ينال اهتمامًا كبيرًا إذا ما حدث بين المشاهير، لأن حياتهم دائمًا تحت الأضواء، وبعض أولئك الأزواج المشاهير المتباينين من المصريين، مثل ما بين مي كساب وأوكا من فارق 10 سنوات، وفارق 18 سنة بين سعاد حسني وزكي فطين عبدالوهاب، و21 سنة بين عماد حمدي وشادية،، و12 سنة بين فاتن حمامة وعز الدين ذو الفقار و8 سنوات بين تحية كاريوكا ورشدي أباظة، وبعضهم ممن سواهم كشارلي شابلن وأونا وفارق 36 سنة بينهما، وكاثرين زيتا جونز ومايكل دوجلاس وفارق 25 سنة وغيرهم الكثير الخارج عن الحصر

والأمر عادي، وعندما قال شوقي:

فتّشتُ لم أرَ في الزواجِ كفاءةً
ككفاءةِ الأزواجِ في الأعمارِ

فهو كان يتحدث في قصيدته عن نوع آخر من ارتباط متباينيالأعمار، ارتباط الجشع والجاه والتفاخر والتجارة، فشوقي يقول في تلك القصيدة عنبعض أمثال هذا الشخص:

شُغِلَ المَشايِخُ بِالمَتابِ وَشُغلُهُ 
بِتَبَدُّلِ الأَزواجِ وَالأَصهارِ

في كُلِّ عامٍ هَمُّهُ في طَفلَةٍ 
كَالشَمسِ إِن خُطِبَت فَلِلأَقمارِ

يَرشو عَلَيها الوالِدينَ، ثَلاثَةٌ
لَم أَدرِ أَيُّهُمُ الغَليظُ الضاري

المالُ حَلَّلَ كُلَّ غَيرِ مُحَلَّلِ 
حَتّى زَواجَ الشيبِ بِالأَبكارِ

سَحَرَ القُلوبَ فَرُبَّ أُمٍّ قَلبُها
مِن سِحرِهِ حَجَرٌ مِنَ الأَحجارِ

دَفَعَت بُنَيَّتَها لِأَشأَمَ مَضجَعٍ
وَرَمَت بِها في غُربَةٍ وَإِسارِ

وَتَعَلَّلَتْ بِالشَرعِ، قُلتُ: كَذِبتِهِ 
ما كانَ شَرعُ الله بِالجَزّارِ

ما زُوِّجَت تِلكَ الفَتاةُ وَإِنَّما 
بيعَ الصِبا وَالحُسنُ بِالدينارِ

بَعضُ الزَواجِ مُذَمَّمٌ، ما بِالزِنا
وَالرِقِّ، إِن قيسا بِهِ، مِن عارِ

ولا تنطبق كلمات القصيدة بالتأكيد على أية حالة من حالات الزواج السابقة، والتي كان أكبرها فرقًا (بين هذه الأمثلة وحسب) هو ذلك الفارق بين شارلي وأونا، أو تلك الستة وثلاثين عامًا الفارقة بين الزوجين،ومن قرأ سيرة شارلي الجميلة يدرك إلى أي مدى كان ذلك الزواج موفقًا ومؤثرًا لهما، مرة ثانية: إنها 36 سنة!

ستة وثلاثون سنة! ولكنهما لم يتغلبا على قصة زواج محمد التابعي من هدى، فالفارق بينهما 38 سنة! فأمير الصحافة العربية كان يتقدم نحو الستين حثيثًا بينما هي كانت في أول العشرين عندما تزوجا، وعاشا معًا بعد ذلك عشرين سنة تالية، وتقريبًا قصتهما قريبة من قصة زواج خورخي لويس بورخيس من ماريا كوداما، فبورخيس كان في الـ87 من العمر عندما تزوجا، بينما كوداما كانت في الـ49، أي تلك 38 سنة مرة أخرى، وهدى عندما تعرفت على التابعي كانت خالية البال من فكرة الزواج تمامًا، وكانت تقول له في سذاجة عمر السابعة عشرة: "أنابحبك وبس يا أونكل!"،وقصدها بذلك إعجابًا بالهيئة والسمات الشخصية للتابعي كعينيه وأناقته ولباقته في الحديث، لا أدبه، فهي لم تقرأ له قبل التعرف عليه، إلا مرة واحدة في مقال له بالجريدة، وكانت مصادفة منها لا تتبعًا لما يكتبه الكاتب المشهور، وماريا كوداما كانت مثلها تقريبًا، وإن كانت كذلك على النقيض منها، فعند سؤالها قالت ما معناه:"كنت أحسب قبل ذاك إني واقعة في حب أدب بورخيس، لا بورخيس ذاته!"

وتزوجت هدى من التابعي، وكانت مسألة السن غائبة تمامًا عنها، فهي تقول:

وأقسم بالله العظيم، وأنا سيدة مؤمنة بالله، إنني في حياتي لم أفكر في سن التابعي، ولكن الناس الذين كانوا حوله هم الذين جعلوني أشعر بأهمية هذا العامل في حياة الإنسان، بمعنى أنني حين تزوجت التابعي عام 1952 لم يكنفي ذهني عامل السن أو عدد سنوات العمر

وأضافت:

ولمعلوماتك .. فإن الشباب أيام زمان وعلى أيامي لم يكونوا يمثلون لي أدنى إعجاب، فلم أكن أعجب بهم، يمكن لسبب، هو أنني فقدت والدي وأنا صغيرة في السن، لذلك أحببت الناس الكبار، إذ لم يكن يغريني شاب مثلاً في الخامسة والعشرين، وعلى أية حال إنني - وبشكل عام - أعتبر سن النضوج في الرجل حين يصل إلى سن الأربعين

وإحدى تلك الأسباب هي عينا التابعي، فهي تقول عنهما:

دعني أصف لك عينيه كما شاهدتها أول مرة، إنها أجمل مارأيت، اللون الأزرق والتدوير العجيب، ولعلك تعجب أنه لم تتغير في جمالها على مدار السنوات التي قضيتها معه، إن عيون التابعي كانت عبارة عن عدة حلقات تتوسط بعضها البعض .. أوقل عدة عيون منها الأزرق والرمادي والأخضر، ثم حلقة أخرى بُنيّة، لقد كانت عيون التابعي شيئًا لم يحدث في تاريخ البشرية، والله وحده القادر على أن يخلق أجمل منها

..

"الموج الأزرق في عينيكَ يُجرجرني نحوَ الأعمقْ

وأنا ما عندي تجربةٌ في الحبِّ

ولا عندي زورقْ

إني أتنفس تحتَ الماءْ

إني أغرقْ

أغرقْ

أغرقْ"


وكلمات نزار تنطبق هنا بدرجة أخافتني! وأمزح حقًا، لأنها كانت تحبه وهو يحبّها وأسفر زواجها عن وفاق ممتد وذريّة، وهذا ما يهم، ثم إنها كانت على مدار الحوار كله تخلع على زوجها أمير الصحافة العربية «محمد التابعي» ألفاظًا ومعانيًا جميلة وتحكي ذكريات عشرين سنة مشرقة عاشتها معه ولا تختار إلا أجمل المواقف في الثقة والتفاهم مما كان بينهما، وحتى أبناءها منه، قالت عنهم:

ابني اسمه «محمد التابعي محمد التابعي»، وابنتي اسمها «شريفة التابعي»، ولقد اسميتها على اسم والدة الأستاذ

وهي كانت تشعر بالفخر والإطراء من كونها زوجة التابعي، حتى في هذه السن، فالقصص من هذه الناحية كثيرة، منها عندما جاءت مذيعة تليفزيون مشهورة ومتزوجة من صحفي كبير، فقالت لها قبل أن يدخل عليهما التابعي لبدء الحوار:

أنا كنت عايزة أموتك بالسم زمان

لتقول هدى في دهشة:

طيب وليه وازاي؟
فقالت المذيعة:
أنا كنت بحب الأستاذ التابعي وكنت عاوزة أتزوجه، ولماسألت عنه قالت لي أمي إحنا مش أد الأستاذ، وكمان هو الآن متزوّج
فقالت هدى:
طيب دا كان السبب .. لكن كنتي هتسمّيني إزاي؟
فردّت المذيعة بحماس:
في فنجان قهوة!

..

وقالت كذلك في حوارها الجميل الذي نشره الأستاذ حنفي المحلاوي عن الأستاذ التابعي في كتابه "غراميات عاشق بلاط صاحبة الجلالة":

وعارف .. حتى بعد ما هي تزوجتْ من الصحفي الكبير ظلت تتمنى أن تقترب من عالم الأستاذ التابعي، لذلك أرادت أن تزوّج ابنتها من ابن الأستاذ .. أمّال إيه يابني! ..  وعلى ما أتذكر أن هذا الكلام حدث في الستينيات، وطبعًا لم تتم هذه الزيجة

ومرة في ختام الحوار، وعندما ذكرتْ لقاءها مع محمد عبدالوهاب، موسيقار الأجيال، والذي كان صديق زوجها الحميم والمقرّب منذ الشباب، فقالت في معرض حديثها الطويل:

وفي هذا الحفل الكبير رأيت محمد عبد الوهاب وزوجته، فالتقينا وسلمت عليه وقبّلني من هنا وهنا .. عادي! راجل أد جدّي

وهذا طريف للغاية، فمن الجدير بالذكر أن عبد الوهاب أصغر من زوجها محمد التابعي بست سنوات كاملة! أي أن مسألة السن لم تكن في بالها بهذه الأبعاد على الإطلاق كما أكّدت وأقسمت بالله العظيم على ذلك، وهي سيدة مؤمنة بالله كما قرأتم

..


وفي حوار قديم نقله المؤلف المحلاوي في كتابه، أجراه محرره مع بعض كبار الأدباء العزباء، ومنهم محمد التابعي وقتذاك، سأله المحرر الساخر بالتليفون عن سر عزفه عن الزواج فأجابه التابعي في مجاراة:

لمّا كنت في سن الزواج لم أجد التي ترضى بي زوجًا
فقال: طيّب والآن؟
ألآن أخشى إن تزوجت أن يُقال عنّي: بعد ما شاب ودّوه الكُتَّاب
العفو يا أستاذ .. شاب إيه اللي بتقوله، وانت لسه في عزّ الشباب؟!

ويحكي لنا المحرر الساخر عند ذلك:
وهنا رمى الأستاذ بسماعة التليفون في وجهي لأن بيني وبينه - كما لا يعرف القرّاء - مفيش تكاليف!

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق