لقاء مع أجاثا كريستي؟

لقاء مع أجاثا كريستي؟

أحمد فضيض

أحمد فضيض

بتاريخ نشرت

وعلامة الاستفهام في نهاية هذا العنوان للتشكك في أحداث هذا اللقاء، لا وقوعه، وأما الذي التقى بها فهو الكاتب الصحفي والشاعر: "مصطفى بهجت بدوي"، وحكاية هذا اللقاء رواها شعرًا في ديوانه "خماسيات عربية أوروبية"، وهذه الخماسيات تشير إلى معنى الخماسيات في القصيد، مثل الرباعيات، فقصائد الديوان من خمسة أبيات في الغالب الأغلب، وقد تأتي أحيانًا في هيئة سداسيات، غير أن البيت السادس يكون بأكمله في هذه الحالة "تضمينًا" لبيت من الشعر القديم المعروف، يناسب الحال، والقليل للغاية من قصائد الديوان جاءت "عشاريات" أي عشر أبيات، وإنْ وُزّعت أبياتها، ببراعة، في ثنائيات، لتظهر القافية المشتركة في آخر العجز الثاني منها، مما يجعلها خمس قوافٍ، وهو المراد من الخماسيات في الديوان!

وقصيدة لقاء أجاثا كريستي جاءت في خمسة أبيات، مشفوعة بسطرين من النثر، وهذه هي القصيدة/اللقاء:

أحدِّثها؟ أخافُ! ولا ملامَة

فقد عاشتْ على "الجُلَّى" علامةْ


مليكة عالمِ "التخويفِ" صاغتْ

يَراعتُها رواياتِ الدرامةْ!


أجاثا! هل كشفتِ السرَّ؟ قولي ..

فكيفَ نخيفُ أعداءَ السلامةْ


وقالت: يا بُنيَّ .. وليس سرًّا

ولا في الخوفِ والقولِ الكرامةْ


ولكنْ .. أن "تريدوا" أن "تكونوا"

وماذا بعدُ؟ .. ألقت لي ابتسامةْ!

وأما النثر المشفوع بها فهو قوله:

بالمصادفة صحبتني الكاتبة البوليسية الروائية الذائعة الصيت "أجاثا كريستي" في زيارة معرض توت عنخ آمون بلندن

ودفاعًا عن تهمة قد تقال، فشاعر هذا الديوان مجيد حقًا، فليس في ديوانه ركاكة أو قلة بضاعة، ولكن ربما طبيعة الخماسيات ألزمته جانب الإيجاز والتركيز، وإضاءة على القصيدة، فهي قيلت، كجميع قصائد هذا الديوان، في النصف الأول من عام 1972، وكان ديوانه الخامسيات عودة للشعر بعد انقطاع طال عشر سنوات "عجاف" – كما وصفها، ولهذا فهو يعدّه، على قصره، أحب دواوينه إليه، لأنه عاد فيه إلى قول الشعر، أو كما يقول عن سبب تفضيله وحبه لهذا الديوان القصير:

ولا يصدر الحب والإيثار عن كونه أحدث ما نظمت من الشعر، ولكن الواقع أنني كنت كأنما ألتقي فيه بشعري من جديد بعد أن كدت أوقن أن الشعر كان مرحلة من العمر وودعتها، وأنني عدمت بعدها ملكة الشعر

إلى أن زاره الشعر فجأة وهو في بعض رحلاته الخارجية التي قام بها خلال هذا العام، إلى دول منها: لبنان والاتحاد السوفيتي (وقتذاك) وإسبانيا وانجلترا وفرنسا، كتعبير عن المواقف الراهنة التي رآها وفكّر فيها وهو في تلكم البلاد المتنوعة الثقافات، لذلك قال عن هذه الخماسيات القصيرة في مقدمته:

الخماسيات بالتالي توافق روح العصر، في الإيجاز والتركيز والتكثيف، كما أنها قد تتجنب الحشو والإملال، ولست بهذا أطعن في القصائد المطولة، فأنا ابنها وما أحسبني سأفارقها، ولكن لعل الخماسيات وافقت "النغمة الصحيحة" "لعودة العلاقات" مع الشعر، كما أنها قد تكون ناسبت ما عرضت له فيها من موضوعات

..

وعودة للقصيدة، فأجاثا كانت حينذاك، عام 1972، في الثانية والثمانين من عمرها، وفي زيارة لمعرض مقام في لندن عرضت فيه مقتنيات الملك توت، ورآها شاعرنا المهموم وقتذاك بقضية اغتصاب سيناء (وهذه القضية كانت تشغل سائر أفكار وخواطر قصائد الديوان)، فتردد أن يحدّثها، نظرًا لشهرتها الطاغية، أو ربما تردد من أجل من كان يرافقها في هذه الجولة ويمنع تكالب الناس عليها، لذلك أغلب الظن أنه توجّه نحوها معرفًا بنفسه على أنه مصريّ، فأجاثا محبة للحضارة المصرية القديمة، وقامت بزيارة مصر من قبل، وجعلت أحداث إحدى رواياتها البوليسية المعروفة تدور فيها، ولعل هذا التعريف كان بمثابة المفتاح الذي حطّم الرهبة من لقائها، والذي مهّد له الطريق كي يسألها سؤاله في هذا اللقاء الخاطف معها، وهي في أوجّ شهرتها، ولذلك سألها مباشرة عما يشغله، عن قضية سيناء والاحتلال الإسرائيلي لها، ولعله حدثها عن الحرب النفسية التي كانت تخوضها مصر حينذاك ضدها، باعتبار أن أجاثا، وكما وصفها في الخماسية: "مليكة عالَم التخويف"، ولا أدري أي تخويف يقصد؟! نعم، في رواياتها تشويق كثير وحبس للأنفاس وترقّب محطّم للأعصاب، ولكن هذا لا يسمى تخويفًا، وإنما هو تشويق لا أكثر

ما يهم، لقد أدركت أجاثا هذه القضية، وعرفت حقيقة سؤاله غير المجدي، فقالت له، ما صاغه شعرًا في هذين البيتين:

 وقالت: يا بُنيَّ .. وليس سرًّا

ولا في الخوفِ والقولِ الكرامةْ


ولكنْ .. أن "تريدوا" أن "تكونوا"

وماذا بعدُ؟ .. ألقت لي ابتسامةْ!

فقد أدركت أن ليست العدة في الكلام والحرب النفسية وحرب الاستنزاف التي لا تُستنزف شيئًا، فما جدوى من تقديم نصائح "للتخويف!"، ولكن السبيل الوحيد هو الفعل، فما دمتم، أيها المصريون  - مخاطبة شاعرنا - تريدون أن تستعيدوا سيناء، فليس من سبيل أمامكم سوى ..

وألقت له ابتسامة!

ولعل الشاعر أثّر فيه هذا اللقاء الخاطف، لأنه عندما عاد إلى وطنه في ختام رحلته، قال مخاطبًا مصر في خماسية:

إيهِ يا مصرُ .. عائدٌ لترابهْ

بحنينٍ ما غابَ طولَ غيابِهْ


كلُّ نبضي .. آمالهِ وعذابهْ

ليسَ إلا لمصرَ كلُّ انتسابِهْ


لا أُرائي، حبيبتي، لا أُداجي

هكذا نحنُ، أهوْ حبٌّ مشابهْ؟!


كم تدفّقتِ صوبَ أهلكِ بالحبِّ

وكان العطاءُ فصلَ خطابِهْ


غير أنَّا - يا ويحنا – لم نُقدِّمْ

لكِ إلا حماسةً لم تُجابِهْ

فهو، من قبل، لم يقدم لها إلا حماسة لم تعرف المواجهة، على أن سيناء هي الحاضر الغائب في كل قصائد الديوان، وظهرت أبلغ ما تكون خلال زيارته لإسبانيا، فقد رأى سيناء المحتلة كأنها تكرر مأساة الأندلس، فقال في خماسية من خماسيات إسبانيا، عن زيارته لطليطلة أو Toledo كما باتت تُسمّى - والبيت الأول (والشطرة الأخيرة من القصيدة) تضمين من حوار قيس في مسرحية مجنون ليلى، لشوقي:

"ليلى منادٍ دعا ليلى فخفَّ له

نشوان في جنبات الصدر عربيدُ"


ليلايَ أنتِ! مَشوقٌ جئتُ معتذرًا

أنِّي، كمثل زمانِ العُرْبِ، منكودُ


قالوا: "توليدو" وقلنا: بل "طليطلةٌ"

سيَّانِ، قلنا .. وما للقول تأييدُ


لنا الصدارةُ بكّائينَ عالَمنا

متى الصدارة حقًا، بل متى العيدُ؟!


أراكِ رؤيةَ عينٍ يا "طليطلةً"

عينٍ تُقرِّحُها "سينا" وتسهيدُ


ليلى! "مُركَّب نقصٍ" كاد يقتلني

"لا الحيُّ نادوا على ليلى ولا نودوا"

وما أحسن هذا التعبير في البيت الأخير! لقد كانت تلك القضية حقًا: "مركّب نقص" يتعلق بوطنه، وظل شاعرنا يحمله فوق ظهره في تجواله في بقاع أوطان العالم الحرة

التعليقات

  • هند

    طبعات رائعه جدا بغلاف جميل جدا واوراق ذات جوده
    0
  • هند

    اغاثا كريستي اول كاتبة اجنبيه قرأت لها اغلب رواياتها في طفولتي وتعلقت بها جدا جدا جدا 💚 وكنت حقا شاكره جدا لمن احضر لي تلك الروايات بتلك الطبعات القانونيه الانيقه ❤
    1
    • أحمد فضيض

      كيف هي الطبعات القانونية 😀
      أما هنا فقد قرأتها قديمًا ضمن كتب أخوالي القديمة التي أخذتها منهم، طبعات بالية رائحتها تزكم الأنوف، ولكن سحرها كان لا يزال فيها 😀
      0

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق