وأنتِ .. أنتِ .. حديثٌ لابن عبّاسِ

وأنتِ .. أنتِ .. حديثٌ لابن عبّاسِ

أحمد فضيض

أحمد فضيض

بتاريخ نشرت

قلت له: وما هي القصيدة التي أحضرتها لي اليوم؟

قال: قصيدة جميلة أعجبت بها للغاية

قلت: هاتها

قال: إنها لـ ..

قاطعته: دعنا من الاسماء، فإن كان شاعرًا مجيدًا فهي ستدل عليه، وربما سيعمينا بريق اسمه عن معدنها الأصلي، وإن كان من الشعراء الجدد، فماذا نفاد من اسمه الآن؟! انشدها أولاً

قال: ها هي ..

وأظهر هاتفه وأخذ ينشد:

أميلُ نحوكِ أغدو قابَ أنفاسِ

قاطعته قائلاً:

الاستهلال جميل، يغدو قاب أنفاس، دلالة على القرب الشديد، أكمل!

تابع منشدًا:

كما يميلُ نُوَاسيٌّ على الكاسِ

قلت ملولاً:

الخمر مرة أخرى، هل ذاقها يا ترى؟! ولكن لا بأس، جيّد، وإن كان يبدو شاعرًا شابًا، لأن الوزن غلبه في كلمة نواسيّ، التي هي النسبة إلى إمام الشاربين أبي نواس، وكان سيكون المعنى تامًا لو استطاع أن يذكره منفردًا، أي: أبو نواس، لا أن يذكر النسبة إليه، فالنواسيّ المنتسب إلى أبي نواس مجرد مقلّد لا أصيل، أكمل!

قال متابعًا:

وألمحُ الحبَّ في عينيكِ يغمزُ لي 
فهل أُلامُ إذا استعجلتُ إحساسي؟

قاطعته:

يلام على ماذا؟ استعجال الإحساس؟! هذا غريب! لقد كان يقول قبل قليل أنه غدا منها قاب أنفاس، ثم لمح، عندما مال هذه الإمالة الوشيكة، عينيها وهي تغمز له، هل يريد عجلة أكثر من هذا؟! أكمل يا غلام!

تابع منشدًا:

ملأتِني بكِ حتى مَسَّني خَجَلٌ 
من فرطِ ما غازلَتْني أَعْيُنُ الناسِ

قاطعته قائلاً:

يا إلهي الرحيم! أتفهم المعنى؟ إنه يقول إنه أصبح، من فرط تأثيرها عليه، يتحوّل إليها، حتى إنه بات يشعر بالخجل إذا نظرت إليه أعين الرجال، ولو مصادفة! حيث إن المحبوبة حلّت فيه، وملأته: كما يقول، حتى صار كأنه هي، وكأنها هو، كما أمللنا غلاة المتصوفة من تداول هذا المعنى السخيف، ثم بات صاحبنا يظن أن نظرات الناس إليه وهو يسير في الطريق في هيئة الرجل: نظرات غزل لأنه يحسب نفسه أنثى! هذه مبالغة ممقوتة، يا غلام، لقد استنوق الجمل! أكمل! أكمل!

تابع منشدًا:

ما عاد يملأُ رأسي خمرُ دالِيَةٍ 
صُبِّي جمالَكِ حتى يمتلي راسي!

قاطعته:

سبحان الله! ألم يقل قبل قليل أنها ملأته حتى بات يحسب نفسه أنثى ويتقي عيون الغزل! فما باله يقول الآن صبّي حتى يمتلي الراس؟! أكمل! أكمل!

تابع منشدًا:

كلُّ النساءِ أحاديثٌ بلا سَنَدٍ 
وأنتِ .. أنتِ .. حديثٌ لابنِ عبَّاسِ

قاطعته معجبًا:

الله! الله! هذا البيت تقطيعه جميل، وسر جماله في "أنتِ .. أنتِ" ولكنك إن جرّدته من هذا التقطيع فلن يساوي خردلة

قال متهيبًا:

ولماذا بالله؟ إنني أراه جميلاً وموفقًا للغاية

قلت:

يا بُنيّ، تخلّص من سحر الإيقاع في أذنيك، حتى إذا اضطررت أن تترجم البيت من العربية إلى لغة أخرى تجيدها، ثم تنظر، هل ما يزال يحتفظ بشيء من سحره أو لا، فهذه هي علامة الشعر الخالد، وتعال ننظر في المعنى، كرّر البيت:

قال مكررًا:

كلُّ النساءِ أحاديثٌ بلا سَنَدٍ 
وأنتِ .. أنتِ .. حديثٌ لابنِ عبَّاسِ

قلت:

إن المعنى العام مبتذل، ألم تمرّ أنت مرارًا على هذه الصيغة من قبل في كلام المحدثين: "كل النساء كذا ولكنك أنتِ وحدك كذا"؟! إذن فيتبقى من البيت معناه الخاص، والآن قل لي، هل هناك حديث دون سند؟

قال مفكرًا:

لا، ولكنه لا يقصد هذا

قلت ساخرًا:

إنه صدقني لا يقصد سوى اللعب بالكلمات، إذن، فليست ثمت أحاديث دون سند، اتفقنا؟ هناك سند ضعيف، وسند قوي، وسند ملعوب فيه، فحتى الإمام ابن عباس له أحاديث مكذوبة عليه وضع اسمه في سندها تكذيبًا وتدليسًا، أليس كذلك؟

قال معترضًا:

ولكن المعنى فيه رائحة المقابلة الجيدة

قلت:

صدقت! هناك شيء كان إذا انتبه له صاحبنا سيرفع من هذا البيت والمعنى، هذا لو ذكر مثلاً رجل ضعيف الحديث والنقل ومشهورًا بالكذب والتدليس ومعاصرًا لابن عباس، فكانت المقابلة بين الاثنين ستثير إعجاب القارئ العامي الذي ستجذبه شهرة ورنين اسم ابن عباس، دون أن يدري مَن هو الرجل الآخر؟ مثلما أعجب بهذا البيت دون أن يدري أنه لا يوجد حديث دون سند، وستثير كذلك إعجاب القارئ المتخصص الذي يدري شيئًا من علم الحديث، ويعرف من هو ابن عباس، من هو ذلك المدلس الآخر الضعيف المتروك، غير ذلك، فهذا البيت الذي أنشدتنيه آنفًا ما هو إلا لغو كاس، أكمل!

قال منشدًا:

أميلُ نحوَكِ والتنصيصُ يجذِبُني 
حتى أَشُدَّ على التنصيصِ أقواسي

قاطعته متنهدًا:

هذا البيت، كسابقه، لغو كاس ولعب بالألفاظ، أخبرني كيف تنشدّ الأقواس على التنصيص؟ أما أنا فلا أعلم والله، التنصيص هو أن تضع العبارة أو الفقرة بين علامتي تنصيص، وعلامة التنصيص نفسها قد يطلق عليها: "القوسين"، وحتى لو لم يكن يطلق عليها القوسين، وكان قصده هو "الشرطتان" فما زال السؤال قائمًا، كيف تنشدّ الأقواس على التنصيص، بل أي لغو هو هذا؟! أكمل! أكمل!

قال منشدًا:

إذا انتشَيتُكِ فَرَّتْ روحُ زَنبَقَةٍ 
من قبضةِ الحَقْلِ وانحلَّتْ بأنفاسي

قاطعته:

الله! هذا بيت جميل! لقد بدأت القصيدة حقًا، لولا أنني لا أدري لماذا صوّر أن الزنبقة وهي تفرّ من "قبضة الحقل"، أليس الحقل هنا هو جسمها الذي يشمه أو ينتشيه، أحسب فحسب أن كلمتي "فرت" و"قبضة" غير مناسبتين، إلا إذا كان يقترب منها غصبًا كي يشمها! فحينئذ يصلح الفرار من القبضة! أرأيت ما تفعله اختيار اللفظة المناسبة، أكمل أكمل!

عصى أمري متسائلاً:

وهل في وسعك أن تستبدل اللفظتين؟

قلت:

ولمَ لا؟! فلنحاول! كان يمكنه أن يقول شيئًا هكذا دون أن يصم الحقل، الذي هو جسدها المُشتَّم، بالجبروت ولا الزنبقة بالفرار الآثم، ما رأيك في ..

إذا انتشَيتُكِ مرَّتْ روحُ زَنبَقَةٍ
من بهجةِ الحَقْلِ وانحلَّتْ بأنفاسي

صمت دون أن يعقّب للحظة، ثم تابع منشدًا وهو ينظر في شاشة هاتفه:

وإن كتبتُكِ خِلتُ الشَّهْدَ مُفتَرِشاً 
صدرَ الكنافةِ: حبري فوق كُرَّاسي

قاطعته:

صدر ماذا؟

قال مؤكدًا:

صدرَ الكنافةِ

قلت:

الكنافة؟! الكنافة؟! هل يقصد الكنافة ذلك صنف الحلوى الذي نأكله؟! هل لهذه الكلمة معان أخرى حتى؟

قال بعد تفكير يسير أعاد خلاله النظر إلى شاشة هاتفه:

إنه بالتأكيد يقصد الكنافة التي نأكلها، لأنه ذكر قبلها الشهد الذي يفترش صدرها

قلت متعجبًا:

الكنافة، الكنافة، لا أصدق هذا! ولكن لا داع للعجلة، فالبيت يبدو ناقصًا، أكمل، أنشد البيت مرة أخرى وما يليه

قال مستجيبًا منشدًا:

وإن كتبتُكِ خِلتُ الشَّهْدَ مُفتَرِشاً 
صدرَ الكنافةِ: حبري فوق كُرَّاسي


فأشتَهيكِ إلى أن أنثَني نَهِماً 
أكادُ آكلُ أوراقي وقرطاسي

غلبتني ضحكة فضحكت، وقلت:

ما شاء الله! هذا طبيعي تمامًا، إنها الكنافة التي نأكلها بالتأكيد، وما أحسب صاحبنا عندما ذكرها في البيت السابق حتى سال لعابه متوهمًا حضور الكنافة وهو يكتب قصيدته ولذلك قال في البيت التالي المتمم للمعنى:" أكاد آكلُ أوراقي وقرطاسي"

ثم قلت مردفًا:

أكمل! أكمل! إنها قصيدة فكاهية، وهكذا ينبغي النظر إليها

قال:

إنها تنتهي عند هذا البيت أيها الأستاذ

غلبتني ضحكة أكبر من أختها، وأنا أقول له:

هذا يعني أنه ذهب ليبتاع الكنافة! هاها! قاتلَ اللهُ النَّهَمَ يا بُنيّ! كما قال المعرّي


التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق