بين العقاد وبروين

بين العقاد وبروين

أحمد فضيض

أحمد فضيض

بتاريخ نشرت

دعت الكاتبة البحرينية بروين حبيب، في مقالها الذي أشار إليه @younes ، الكتّاب والنقاد العرب إلى زيارة مساقط رأس الأدباء الذين أثروا بهم أو الذين يريدون أن يكتبوا عن أدبهم، لا لشيء سوى أن هذا سيساعدهم أكثر في معرفة جوانب أدبهم وخلفية تكوينهم، ولأن المؤلَّف لا يمكن فصله عن مؤلِّفه، فقالت في دعوتها:

في كل رحلاتي إلى البلدان التي زرتها كنت أحرص على زيارة بيوت كتابي المفضلين ومتاحفهم والبحث في مدنهم عمّا خفي عنّي من معلومات عنهم وقد سجلت الكثير عن تلك الرّحلات أملا في أن أتفرّغ ذات يوم وأخرجها في كتاب لكنني فوجئت دوما بغياب كبير للكتاب والنقاد العرب عن رحلات مشابهة إذ يكتفون بقراءة النظري المترجم للغة العربية أو المترجم في الغالب إلى اللغة الإنكليزية من اللغة الأصل. بشكل ما لا أفهم إصرار كاتب أو ناقد على المشاركة في ملتقى أدبي حول أديب أجنبي بماله الخاص وبورقة لا جديد فيها من باب أنه مختص أو مطّلع على أدبه ولا يصرف المبلغ نفسه على رحلة تقربه من الرجل وتكشف خبايا لا يعرفها؟

وتقول حاثّة:

فهل ما يهمنا في الأدب هو الأثر القصصي أو الشعري كبناء لغوي؟ أو ذلك الكل الجامع بدءًا بالتفاصيل الصغيرة التي رافقت الأديب وكوّنت قريحته إلى أجوائه ومحيطه وبيوته ومدنه؟ ألا يثيرنا منبع تلك الموهبة التي انبثقت من شخص عادي؟ لتتحوّل إلى عالم بأكمله عالم مكتظ بأشخاصه وكائناته وأحداثه وأزمانه وأماكنه؟ هناك حتما ظروف معينة تصنع الأدب العظيم الذي يلامس أرواح الملايين

ثم تكرر خلاصة المقال في خاتمته، فتقول منهية حديثها:

والخلاصة هي أن الكاتب يجب أن لا ينتهي في مكتبه عليه أن يحمل وليده على كتفيه ويجوب به العالم أمّا ما سبق من أدب فلا يكفي أن نقرأه بحياد كونه محادثة بين شخصين وسيبقى كذلك ولن تكتمل تلك المحادثة ونخرج بنتيجة منها إلا إذا عرفنا محدثنا جيدا وإن لزم الأمر أن نتتبع خطاه من مهده إلى لحده.

غير أن العقاد، وقبل سبعين عامًا من كتابة بروين لمقالها، قد أورد رأيًا مناقضًا لها، فقال في مستهل مقاله القديم:

نشأتُ وليس أحب إليَّ من الاطلاع على تراجم العظماء، ولكنني على فرط شغفي بالاطلاع على تراجمهم لم أشعر قط نحوهم بذلك الشعور الذي يغلب على كثير من الناس، وهو شعور الميل إلى رؤيتهم والاتصال بهم، إن كانوا من الأحياء، وقد يتفق لي أن أقرأ عن أحدهم أو أقرأ له كثيرًا من الأوصاف والآراء، ثم يصل إلى مصر وتتاح لي فرصة لقائه، فلا أكره لقاءه ولا أخفُّ إليه، ولكنني أستطيع أن أفرض أنه لا يزال في بلاده دون أن يكلفني هذا الفرض أدنى عناء

إلى أن يقول العقاد بعد أن يعرض لسبب من أسباب هذه النفور من جانبه، وهو أنه تعوّد في نشأته بأسوان رؤية العظماء والمشهورين في غير "هالتهم" التي تضفي عليهم ما تضفي من الغرابة، حين زيارتهم لبلدته المشهورة بمعابدها الفرعونية وطبيعتها الفاتنة وطقسها المشمس طوال العام والدافئ في الشتاء:

ذلك سبب من الأسباب، أما الأسباب الأخرى فمنها حب العزلة التي ورثته وطبعت عليه، ومنها أنني أتطلع إلى معرفة العظمة حقيقةً لا صورةً، وأحسب أن رؤية لحظة أو لحظات لا تعرّفني بالعظيم، إن لم تعرفني به قراءة يوم أو أيام

ومع التناقض الظاهر فأن بين العقاد وبروين نقاط توافق، ولكن قبل ذلك فأنني أعرف وأنتم تعرفون طبيعة هذه القصص والحكايات التي يرويها "كتّابنا الجوّالون" حينما يقابلون كاتبًا مشهورًا في الغرب خاصة، فهي في حال اللقاء به حيًا، لا يتعدى الأمر سوى صورة معه، إن أُمكن، ووصف أجواء اللقاء العام أو الخاص به، إن أُمكن ذلك الأخير، وخلفية أدبية مكررة عنه وعن حياته، ثم إن أُتيح لكاتبنا الجوّال الحديث معه، فهو حديث مكرر قاله الرجل قبل ذلك مئات المرات لرجال الصحافة والمراسلين، هذا مع ملاحظة أن تلك هي مهنة الصحافي لا الكاتب أو الناقد!

كما أن في عالمنا الذي نعرفه يصعب عليّ تخيّل أن يجري الكاتب الغربي الشهير أحاديث ودية مع كتّاب ونقّاد الدول الأخرى، بدون صفتهم الصحفية ورغبتهم في إجراء حديث لصحيفتهم، كأن يذكر، مثلاً، أحد بني جلدتنا أنه يرغب في لقاء ودي معه بعيد عن الصحافة وأسئلة رجال الصحافة، أحسب أن هذا أمرًا نادًا للغاية، أليس كذلك؟ وإلا فأن عمر الكاتب المشهور سيفنى في إجراء تلك اللقاءات الخاطفة التي لن تتكرر، والتي، ويا للعجب، سيحسب ناقدنا أنه سيفوز فيها بسرّ كتاباته التي لم يعرفه أحدٌ سواه، وهذا أمر ذكّرني الآن بما قالته عايدة الشريف في كتابها "شاهدة ربع قرن" عن زيارة سارتر للقاهرة، وكيف حاول أستاذ جامعي شهير أن يجري معه حوارًا جادًا حول نقاط التقارب بين الإسلام والوجودية، ليظهر الضيق والاعتذار على وجه سارتر كأنه يقول: "أهذا وقته؟!"، فيتبقى، إذن، من غرض الزيارة: معرفة البيئة التي عاش فيها الكاتب، ولا سيما إن كان قد مات قبل سنين، وهذا أمر جيد، أعني الزيارة لمعرفة البيئة لا الموت، ولكن إن نظرنا فيما يحدث عادة، فأن أكثر الحديث يتحوّل إلى كاميرا سردية لبيته المتحوَّل إلى متحف، هنا سريره، وهناك ملابسه، وها هو مكتبه الذي كان يكتب عليه، وبعض الخواطر التي انثالت على الخاطر عنه أثناء الزيارة والتي نبعت من قراءاته السابقة به، وحديث مكرر لأمين المتحف، ولقاءات عابرة (إن كان كاتبنا الجوّال سعيد الحظ للغاية) مع بعض ممن عرفه في الحياة، ويعزّ حدوث هذا، بينما معلومات البيئة كافة، أو حكايات ما بين المهد واللحد، فهي مذكورة في كتب معاصريه عنه، وفي سيرته إن وجدت، وفي لقاءاته الصحفية، وفي الجرائد وكتب التاريخ الحديث، فهذا الناقد أو الكاتب القادم من وراء البحر لكي يزور بيئة كاتبه المشهور، لن تكفيه إقامة عابرة ليحيط علمًا وافرًا ويكوّن صداقات عميقة ويستخلص آراء عزيزة من تلك البيئة، ما لم يكن من أهلها أو المقيمين بها، فهو، في نهاية المطاف، سائح عابر، وأهل مكة أدرى بشعابها

ولكن هل هذا يعني أنه لا ضرورة للسفر؟

بالتأكيد لا، فكما يقول الشاعر القديم، "وسافر ففي الأسفار سبع فوائد"، فقد يلهمه جوّ الزيارة بشيء لم يخطر له من قبل عن الكاتب لانشغال ذهنه الدائم به، وقد يدفعه وجوده في تلك البيئة إلى قراءة المزيد عنه مما يتعذّر عليه الحصول عليه في بيئته هو، وإن كان هذا أصبح قليل الفائدة بعد انتشار الإنترنت في هذا العصر، وقد يصف، فيحسن الوصف، لبني قومه معالم حقيقية واردة في روايات الكاتب المشهور وقد يقارن الواقع الذي رأه بالخيال في كتب الكتاب، ولكنه، على يقين، لن يأتي بجديد يقال وسبقه إليه مواطنو البيئة الأصليون، ولكن، ومَن يدري؟!، فقد يفشي له الكاتب المشهور أو أحد أقربائه بسرٍّ لا يعرفه غيره، تحقيقًا لهذا الاقتباس المعروف لبهاء طاهر من روايته "واحة الغروب":

الناس لا تبوح بأسرارها للأصدقاء، وإنما للغرباء في القطارات أو المقاهي العابرة، لأننا نجد في الغريب البعيد راحة لا نجدها في أقرب الأقرباء من حولنا

أو لعله، أي كاتبنا الجوّال، أن يقول، كما قال العقاد نفسه في ختام مقاله المشار إليه، الذي روي فيه، فيما روى، قصة لقائه مع الكاتب الألماني، أميل لودفيج، في القاهرة، وهو:

وتركته وفي نفسي أثر من لقائه يقارب الأثر الذي استخلصته من قراءة كتبه


التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق