سأل سائل ثم تعب

سأل سائل ثم تعب

أحمد فضيض

أحمد فضيض

بتاريخ نشرت

لربما سأل سائل عن معنى قول الله تعالى في مستهل سورة المعارج: "سأل سائل بعذاب واقع" فأحب أن يفتح كتب التفسير ليعرف معنى هذه الآية، غير أنه لن يخرج من هذه الجولة بشيء يغنيه، نعم قد يستفاد حصيلة لغوية لا بأس بها، وقد يعرف بعض القصص التي يؤكد بعضهم أنها سبب نزول هذه الآية أو تلك، إلا أن الآراء المختلفة حول تلك الآية، التي لعل القارئ فسّرها بينه وبين نفسه برأي حسن وبديهي، ستجعله بعد انتهاء هذه الجولة في حيرة من أمره، وكأنما لم تزده القراءة إلا ضلالاً، لأنه سيجد، وفي كتاب واحد فحسب من كتب التفسير، أن هذه الآية "سأل سائل بعذاب واقع" قد فُسّرت على وجوه شتى، منها:

  • لا يوجد سؤال بمعنى ما تعرفه من السؤال والإجابة، فإن تعدية "سأل" بحرف الباء، لا "عن" كما هو الشائع، يجعل معنى الآية: "دعا داعٍ بعذاب" يقع على الكافرين
  • إن هذا الداعي قد يكون: "النضر بن الحارث" أو "أبو جهل" أو "الحارث بن النعمان الفهري" وهم من المشركين، أو قد يكون هذا السائل هو نوح عليه السلام، وقد سأل عذاب قومه الذي يئس من إيمانهم، أو قد يكون هذا السائل هو رسول الإسلام عليه السلام
  • إن لغة قريش التي نزل بها القرآن تسهّل الهمزة إلى ياء، لذلك فهي في قراءة ابن عبّاس: "سال سيل"، وسال من السيلان، والسيل هو الماء السائل، كما فسرها ابن جني، فيكون المعنى: "اندفع وادٍ بعذابٍ واقع"، وفي قراءة أخرى تركوا "سائلًا" على حالها، وقالوا إن زيد بن ثابت قال أن "سائلاً" الواردة في الآية هي اسم واد في جهنم

وهنا ينتهي تفسير الآية، وإن لم أنقل ما قيل بعدُ من مبحث: "إبدال همزة الفعل ألفًا" وغيره مما أتى المفسر على ذكره في مجال عرضه لهذه الآية، قبل أن ينتقل بنفس الروح والأسلوب إلى ما تليها، والاستمرار على هذا المنوال سهل، للمفسِّر والقارئ، على سواء، أقول هذا لأني مررت بكتاب ذي عنوان حيادي إلى حد بعيد، لا يستشف منه مذهب قائله، فذهبت معه عبر صفحات طوال على أمثال تفاسير هذه الآية، وهو لم يتحدث عن هذه الآية السابقة بعينها، ولكن اعتمد على الآيات التي انبثقت منها شبهات مخالفة لغة القرآن للغة القياسية في النحو، كمجاورة كلمة "المقيمين الصلاة" لسائر النعوت الأخرى الآتية بالرفع:"الراسخون في العلم، المؤمنون بالله، المؤتون الزكاة"، واستمر مؤلف الكتاب في إيراد مقولات كبار المفسرين في هذه الآيات، حتى ناقض بعضهم بعضًا وأصبح التفسير الأول لا يمت بأدنى صلة للتفسير الأخير، ثم حينذاك وفي آخر الكتاب، ظهر غرض المؤلف، فقد كان يدعوا إلى مذهبه الإلحادي في نهاية الأمر، وحسبت أنه سيتخلص من كل ذلك شيئًا، وقد حاول حقًا أن يستخلص أمرًا منه، وقال شيئًا بارزًا، وهو أن هذه قد تكون من جناية علماء النحو واللغة على اللغة العربية، لأنهم أخذوها من كل المصادر ليجعلوها في مصدر واحد، وربما كانت الأخرى هي لغة أو لهجة مستقلة مختلفة، فإدخالها قسرًا وإيجاد مخرج لشواذ قواعدها في اللغة العربية القياسية، أفسد اللغة كلها

وهذا تخريج جميل سعدت بالخروج به من ركام مؤلَّفه، غير أنه يظل كلامًا نظريًا لا يفسر الكثير من الاختلاف في القراءة المشتهرة في القرآن، أو لماذا تجاورت اللغتان في سياق واحد، هذا وقد يميل القارئ لكتاب التفسير إلى أن "المقيمين الصلاة" جاءت مخالفة لسائر النعوت لأنها جاءت مدحًا أو تخصيصًا أو تمييزًا لحال الصلاة التي هي عماد الدين، كما قيل فيها، فيرتاح ويبتسم لهذه الإشارة القرآنية البليغة، ثم ينتسف هذا التخريج في نفسه عندما يقرأ في نفس كتاب التفسير الذي يقرأه أن قراءة الصحابي الفلان جاءت مخالفة تمامًا، وأن بعضهم يقول إنما هي "المقيمون الصلاة" وكُتبت "المقيمين" في الكتاب، خطأً من الناسخ، وإنها في قراءة ابن مسعود وغيره، هي القراءة القياسية: "المقيمون الصلاة" الموافقة للإعراب القياسي للغة العربية، فيتساءل القارئ: طيّب والإشارة البلاغية التي كنتم تتحدثون عنها، أين ذهبت؟!

 وليس لديّ تفسيرًا، ولكن خاطرة، فأنني رددت الآن ذلك الجزء من التفسير الذي يشغل صفًا كاملاً من المكتبة، ثم خطر لي قول شوقي في كتابه أسواق الذهب:

لو طلب إلى الناس أن يحذفوا اللغو وفضول القول من كلامهم، لكاد السكوت في مجالسهم يحل محل الكلام، ولو طُلب إليهم أن ينقوا مكاتبهم من تافه الكتب وعقيمها، وألا يدخروا فيها إلا القيم العبقري من الأسفار، لما بقي لهم من كل ألف رف إلا رف

فقلت نعم، لو تدخلت بيدي في كتاب التفسير الذي يشغل لديّ رفًا كاملاً، ثم حذفت منه القيل والقال الذي قصده القائل في بيته:

ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا

سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا

لو كان هذا لما تبقى حقًا من كل ألف صفحة سوى صفحة، ثم قلت لنفسي، أي حال كان سيكون، لو ميّز الناس منذ القدم بين المفسِّر، وبين الجامع للتفاسير، وشتان بينهما، وعرفوا أن المفسر يعني في أبسط معانيها فهم آيات الله بملكة المفسّر الشخصية، ثم نقل هذا الفهم للناس، وأما الجامع فهو جامع حطب بليل، وهذا ليس ذمًا أو مدحًا، فهذا واقع الحال الذي يلمسه كل قارئ يتناول أحد تلك التفاسير بين يديه، فأحسب ، إذن، أنه لو حدث هذا التمييز منذ القدم لاستغنى الناس عن قراءة المجامع وأنزلوها عن قيمتها العالية إلى قيمتها التي هي جدير بها، ولما تحرّكت الشهوة في العلماء في الكتابة في هذا المجال وتسويد مئات الآلاف من الصفحات دون جديد يقال، لأجل أن يُقال أنهم كتبوا في التفسير، فلو أدرك الناس مبكرًا أن صنيعهم هذا ليس من التفسير في شيء لزهدوا فيه، ولو رأى العلماء زهد الناس لانصرفوا بدورهم عما ألفوه من تجميع الأقوال، ولاعتمدوا على ملكاتهم الشخصية في التفسير

فمن سمات هذه الملكة الشخصية أن الرؤية تكون غالبًا رؤية متحدة للموضوع الواحد، فهو لن يتعب نفسه ويتعب قارئه في ذكر الأقوال، بل سيقول ماذا فهم هو من الآية من نتاج رحلته في عالم الفقه واللغة والمجتمع، ويستفيد من "القيل والقال" فيما يدعم رؤيته لها، فليس كل ما يُعرف يقال، وهو لن يخشى، مع ذلك، أن يُتهم بالجهل والغفلة عن هذا القول أو ذاك الذي لم يورده في كتابه، لأنه يعلم أن الناس تعلم أن كتابه يصنّف كتفسير، لا كجامع للتفاسير، فسيحط هذا عنه عبئًا كبيرًا، وسيريحه من كثير من النقد، هذا النقد الذي أخال أن الطبري، قد أحسّ به، ليقول في مقدمة كتابه في التاريخ:

فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه من بعض الماضين ممّا يستنكره قـارئه من أجل أنّه لم يعرف له وجها في الصحة ولا معنى في الحـقيقة، فليعلم أنّــه لم يؤت ذلك من قبلنا وإنّما أوتي من قبل بعض ناقليه إلينا، وإنا إنّما أدينا ذلك على نحو ما أُدّي إلينا

فهي طريقته في تفسيره للقرآن كذلك، فتفسيره معرض كبير للقيل والقال، وقد تظهر في خلال هذا نظرات نقدية منه لهذا المنقول أو استخفافًا به أو تهكمًا على مبالغته وتناقضات أخباره، وقد لا تظهر، وقد يذكر نقده عليها فلا يلتفت القارئ إليها عند قراءة الخبر، وعذر المفسر في ذلك هو: "وإنّا إنّما أدينا ذلك على نحو ما أُدّي إلينا" فهي سلسلة متصلة وعرف قائم دخل في مجال التفسير حتى أفسده

أحسب أنه من حق القارئ أن يطالع كتابًا لعالم من علماء الأمة يضم بين دفتيه رأي هذا العالم نفسه في تفسير ما عنَّ له من الآيات والسور، لا جهده في تحصيل الأقوال، ونعم هناك تفاسير حديثة ألتزمت هذا، ولم تلبس ثوب العالم بكل شيء، وإنما شرحت من كتاب الله ما أحست أنها فهمته منه، لا آية آية، ولا سورة سورة، فصاحب الكتاب، جلّ شأنه، لا يحمل كل نفس إلا وسعها، وإنّ كل نفس متفردة في ملكاتها الشخصية، فإن وضعتهم معًا فلا شك أنك ستجد من الاختلافات بينهم ما يجعلك تقول بتناقضهم، وإن نظرت إليهم من علٍ لراعتك الفوضى وتشابك الطرق وتعقدها فيما بينهم، وللناس فيما يعشقون مذاهب، ولكن إن نظرت إليهم من قرب وعلى حدة فستؤمن أن هذه اللغة واسعة لأنها نتاج مشاركة العقول البشرية، وأن هذا الدين واسع لأنه أُنزل لكل أولئك العقول البشرية غير المحدودة، فأوغل في هذا الدين برفق وتمتّع برحلتك عبره، ولكن لا تندفع فتدفنك رماله المتحركة دون رحمة، وقد تخرج منها بمشقة بالغة وأنت تقول لنفسك: "بئس هذا الطريق، هيهات أن أعود لسلوكه مرة أخرى!" فتظلم نفسك وتظلم الطريق، والله أعلم!

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق