حديث فارغ

حديث فارغ

أحمد فضيض

أحمد فضيض

بتاريخ نشرت

عرض عليَّ بعضهم قراءة بعض مقالاته الفلسفية التي كان يواظب على كتابتها في مدونته، بعد أن آثر أن ينشرهن في كتاب، ففعلت، ثم قرأت منهن مقالة تتحدث عن موقف مر به صاحبنا هذا وهو ينتظر في المحطة مواصلته ليصادف وجود فتاة تقرأ في ملزمة على مقعد قريب منه، فسألها عما تقرأ، فأجابته وكانت ملزمة لتعليم لغة أجنبية غير شائعة، فعلّق صاحبنا أنه كان يحدّث نفسه بتعلم هذه اللغة بالذات من وقت قريب، فابتسمت له الفتاة وحدثته أنها تأخذها لأنها طالبة في إحدى كليات اللغات والترجمة، ثم جاءت الحافلة فركبت هي بينما ظل صاحبنا في مقعده مسرورًا من هذا الحديث .. الفارغ! وقد أشرت عليه بعد القراءة أن يحذف تلك المقالة لعدم جدواها، ففعل مشكورًا، وهذا الأمر ذكّرني بموقف من النثر والشعر يقترنان بموضوعه، الذي هو الحديث الفارغ، فأما في النثر، فكانت خلال قراءتي لكتاب في أدب الرحلات للمترجم أمين سلامة، وكان في إسبانيا، وتلك لغة لا يعرفها، فيقول:

بالأمس عندما دخلت المطعم أتناول عشائي، أن جلستْ إلى المائدة المجاورة لمائدتي فتاتان إسبانيتان ابتسمتا لي وهزتا رأسيهما، فرددت التحية بأحسن منها، وفجأة اكتشفت أنهما لا تعرفان غير الإسبانية، عندئذ تعذّر سبيل التفاهم بيني وبينها، بل وانعدم تمامًا، كل ما استطعت أن أحظي به منهما بعد جهد جهيد أن أحدهما تدعى "أخيلينيس" والأخرى "ماري تريز"، وأنهما مدرستان للأطفال في إحدى مدارس الحضانة، ولو كنت معي، أيها القارئ، وأبصرت المجهود الشاق الذي بذلناه نحن الثلاثة لنخرج بهذه المعلومات التافهة التي لا تقدّم ولا تؤخّر، لما وسعك إلا أن تضحك ساخرًا أو تبكي راثيًا، فجهلي بالإسبانية جعل إقامتي هنا فاشلة

  وأما في الشعر، فقد قرأت في ديوان أول لشاعر شاب، ممتلئ بالسذاجة وتلمّس الطريق، مقطوعة قصيرة تقول:

في بلاد السحر والحب رأى

قلبي الظامئ ظبيًا ذا دلالْ

وتعارفنا وكان الملتقى

فوق سفح من رواسي الجبالْ

سآلتني في دلال ما اسمها

كيف يُنسى الاسم يا سر الجمالْ

إنه المنقوش في القلب إلى

أمد العمر وإن طال المطالْ

فهذه المقطوعة والحديث الفارغ سواء، مع ملاحظة أنه يقصد ببلاد السحر والحب: بلاد اليونان، كما ذكر في الهامش، ولعله لا يجيد اللغة اليونانية، ولذلك تخيّل هذا الحديث ثم تمخّض خياله عن هذا الذي ترى! ولا أدري كيف أضعت أنا وقتي في قراءة ديوان هذا الشاب، ولكنّ الذي يتحمّل هذه الدقائق الضائعة قبل اكتشاف الخديعة هو شاعرنا الذي أحب شعره كثيرًا: "صالح جودت"، لأنه، مدفوعًا بالمجاملة ولا شكّ، رضي أن يكتب ترحيبًا شعريًا وضعه الشاعر في صدر ديوانه في احتفاء، فكان أول ما قابلني، وربما كانت هي فائدة هذا الديوان، إذ لم أقرأ هذه الأبيات لصالح جودت من قبل، ولا في شعره المجهول الذي جمع بعضه د. فوزي عطوي في دراسته عنه، واسم الديوان: "خريف مزدهر وعصارة قلب" ولا تسلني لماذا جمع فتانا الشاب بينهما! .. قال صالح جودت:

عصارة قلبك يا عاصرُ

لها نغمٌ رائقٌ ساحرُ

توقّعهُ نبضاتُ الفؤادِ

ويعزفهُ قلبكَ العامرُ

ويظفرُ فيه هواةُ الجمالِ

بحسنٍ يهشُّ له الخاطرُ

ويُثرى به الشعرُ والأغنياتُ

ويُزهى به الوطنُ الثائرُ

..

خريفكَ مزدهرٌ كالربيعِ

يداعبهُ الأملُ العاطرُ

فلا زلت تمنح دنيا القريضِ

عصارة قلبك يا شاعرُ

أما الذي أتفق، في طرافة، بين هذه القطوف الثلاثة، فهو أن هذا الحديث الفارغ جاء عند مخاطبة امرأة جميلة! وهذا غير مفاجئ، لأنه وكما يقال،  فالـ boys will be boys 

التعليقات

  • YUKI

    الكلام الفارغ في نظرك.. هو ربما كلّ ما يستطيع الكاتب كتابته ليعبر عن نفسه ! طبعاً أحترم رأيك لكنّي لا أجد أي كلام يُكتب فارغاً .. :)
    0

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق