ساعتين في الصومال

ساعتين في الصومال

هند إبراهيم

هند إبراهيم

رضا تشعر بالرضا، بتاريخ نشرت

في يوم خميس الفائت، ذهبنا أنا وأمي سويةً حيث تسكن جارة لطيفة في الطابق الثالث، أي أنني لم أذهب إلى الصومال، ولكنني بمعنى من المعاني، أُحسّ أني قد زرته، قالت لنا جارتنا "صفيّة" بعد عدة عبارات ترحيبية، كلمات كمثل "لماذا لا تأتوننا زوارًا؟" وبعد كثير من الحديث - فقد أخذوا يتحدوثون ويتحدثون - حُدد الموعد. دامت هذه الزيارة ساعتين كاملتين، ولمّا ذهبنا، ظننت أني حتمًا سأشعر بمملل مميت، كالذي أشعر به في غالب الزيارات التي أُطرّ فيها إلى التصنع، ولكن، حالَ عني ذلك، لأن العمة صفيّة أتت بحكايات، هي حقًا غريبة وعجيبة! ولكن، ينبغي لي في المقام الأول، أن أشير إلى أن العمة صفيّة، قدمت لنا وليمة حقيقية، في تشكيلها للحلويات والكعك، فأي شيء لم تقدمه لنا؟! أنها مُضيفة كريمة، من غير شك!

قدمت لنا بداية، حلوى طرية تشبه لحدّ كبير، حلوى راحة الحلقوم، أو مهما كانوا يُطلقون عليه، لكنه دون سكرٍ مغلفٍ حوله، وأكثر سمكًا، وقرمُزي اللون، بمعنى، حلوى قرمّزية شهية! وتلى ذلك، فطائر مستديرة، كانت قد حدثتنا عمة صفيّة عنها كثيرًا، تسمى "فطائر المَشمَش" أنها ذهبية، وتجعلني أُحسّ أنني ذقتها من قبل، في الأيام الخوالي. ثم أحضرت عمة صفيّة، علبة نحاسية كبيرة نسبيًا وقهوة، وكان في داخل تلك العلبة، كعكٌ كثيرٌ للغاية، وبأشكال متنوعة، مستديرة الشكل، وعلى شكل هلال ونجوم، قالت لنا عمة صفيّة فيما بعد، أنها "الكشاتة" وخمنت في الأخير، أن القهوة الصومالية، مفعمة بالزنجبيل وشيء آخر، لم أحيط بعلمه بعد.

قصّت عمة صفيّة علينا العديد من الحكايات، بعض منها أعجبتني، والبعض الآخر صعُب علي تصديقها، قالت في إحدى عباراتها، أن الصومال كانت من قبل ما سبق، وجهة سياحية مُختارة بكثرة، ووفق هذا المُعطى، كان هناك كنيسة، وسينما، وفنادق، في مقديشو، وما أجمل الخير الكثير، والثمار التي كانت تنبت من تلك الأرض! وبما أن مدينة "مركا" كانت مكانها الذي عاشت فيها بداياتها الأولى، كان البحر هو الملاذ الأول، لكل سكان المنطقة، فيستحيل أن يمر اليوم، دون أن يأتي شخص ما، على ذكر البحر، كما عبرت عن حجمه الكبير، بعبارة "إنه يمتد مثل راحة اليد، إلى مالا نهاية!"

ذهبت عمة صفيّة من الصومال، مع زوجها فقط، وفيما بعد، ذهب زوجها إلى بلد آخر بعيد، فأتى وألدها هنا معها، ليظّل بجانبها.

وعلى ذكر ولدها الذي صرت أعلم منه بعض الشيء، بفضل ذلك الموقف المضحك واللطيف للغاية، فذات يوم ذهبت عندها إلى البِقالة ولكن أستوقفني مشهد مضحك، كان رجل البِقالة منهمكًا في وضع زجاجات الحليب في الثلاجة، وترتيب بعض البضائع، فأتى والد العمة الصفيّة، وأحضر احتياجاته، وحين كان رجل البِقالة، يُكيّس له أغراضه، علق على لباس والد العمة صفيّة القصير، وسأله عن كيفية القيام بالصلاة، بثوب كهذا القصر، فرد، الجد والد العمة الصفيّة، بأنه لم يتجاوز حدود المتاح والمسموح له، وأن ثوبه لم يتجاوز ركبته، وأنه طويل وزيادة! فأعرب الطرف الآخر عن أسفه، وقال أنه كان يمازحه فقط، وأنه يحب أن يمزح على طريقته، خاصة مع كبار السنّ، وقال في النهاية "حقك علينا جدي" ولكن الجدّ والد العمة صفيّة، قال له "لا تقل كذلك، بل قُل، حقك علينا أبابو!" لم أقاوم رغبتي المجنونة في الضحك! وتمنيت لو أني لم أفعل، لأنني لولا ذلك، لما انتبه رجل البقالة أني كنت واقفة طيلة تلك المدة، فأنهى مُشترياتي، ونصرفت، وفوت على نفسي نهاية ذلك الحديث الشيق.

فأخبرتنا عمة صفيّة، عن أيام حفظها للقرءان على الألواح، وتنظيفها في البحر فيما بعد، وعن حبهم الكبير للموز، والسمك، والاسباغيتي، وتكلمت عن الخياطين والبائعات في بداية الصباح، وعن الخوف والتفكير الدائم بالحرب، وهذا قد يجلب بعض الوساوس والخشيّة المرضية، نعم الخشيّة المرضية! والعنصرية ضد القبائل، وتكلمت عن سخرية بعض الصوماليين العمياء، للمهاجرين بوصفه أنهم قليلون الإيمان وقد باعوا دينهم، وبعض النعوت الأخرى، وأنهم قد يصلون حدّ تكفيرهم! وهذا جدّ حماقة! وأن الصوماليين يعملون معاملة خاصة في بعض الأماكن، وقد يصنع  بعض الآخرين، منهم أمثولة لتفكير بالطعام، فلمّا يصف أحدهم التفكير فقط بالطعام، يقول "أتراني صومالي، لست في مجاعة! آخر همي هو الطعام." ومن غير الصالح، الحكم على الناس، بهذه الطريقة! متوحشون هؤلاء الأشخاص! يتصرفون معك حسب الظروف التي عاشتها منطقتك،  تحدثت عن أشياء كثيرة أحاول إختصارها جاهدًا، فقد حدثتنا عن مُعاناتها، وعن الشقاء والإيمان، وعن أخذ حمام مالح وبارد، بعد نهاية العمل واليوم، لم تترك جزءًا لم تضفه، عن كل جوانب حياتها، لم أرى شخصًا قبل ذلك من قبل، متدفق الحديث، عن كل ذلك، وكأنه خطيب يخطب لجماهير مُتحاشدين، بذلك الأسلوب الفريد، وطريقة أيديها التعبيرية المميزة، كم هي إمرأة مرحة! كيف لم نتعرف على العمة صفيّة، من قبل؟





التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق