الاسرة بين الماضي والحاضر والمستقبل

مصطفى محمد ابوالسعود

مصطفى محمد ابوالسعود

بتاريخ نشرت

مصطفى محمد أبو السعود

التغيير سنة كونية وضعها الله في الأشياء، فمنه الايجابي، ومنه السلبي ، والتغيير بكل صنوفه يلقى بظلاله على كل مناحي الحياة، مع اختلاف نسب التغيير، ومن ضمن الامور التي هبت عليها رياح التغيير هي الاسرة ، فمن يتأمل في طبيعة الاسرة الان قبل 30 عاماً يجدها تختلف عن الآن ، بحيث أننا لو طلبنا من شخصين ينتميان لجيلين مختلفين _ أحدهما 50 عاما والاخر 20 عاما_  أن يرسم كل واحد منهم لوحة عن الاسرة في عصره، ترى كيف ستكون لوحة كل منهما ؟   

المؤكد أن القواصم بين اللوحتين ستكون أكثر من القواسم، فصورة الاسرة قديماً يمكن رسمها بالكلمات على النحو التالي ، بيتٌ متواضعٌ مع تلفاز متواضع حسب معايير التلفاز الآن، بعض الأطفال يستلقون على الأرض لمشاهدة برنامجهم المفضل والذي غالباً ما يكون " توم وجيري " المشهور، وبعضهم يراجع دروسه المدرسية، وأب يجلس على كنبة بسيطة يقرأ الصحيفة ، وأم متفرغة تماماً لرعاية بيتها وأولادها، فتقوم بواجباتها المنزلية وهي في قمة السعادة والتركيز، اسرة  تجتمع مع بعضها على مائدة واحدة، وتلفزيون واحد ،وبرنامج واحد، اطفال يلعبون لعبةً واحدةً بشكلٍ جماعيٍ ، ويشاركون أهلهم في الاعمال المنزلية وفي المناسبات الاجتماعية، وإذا جن الليل  يسهر الجميع  في فناء المنزل  تحت ضوء القمر، أو أمام البيت بحضور بعض الجيران يتسامرون ويشربون الشاي والقهوة، وقد ينام البعض في مكانهم حتى الصباح .

ومع تطور الحياة اختفت الكثير من تلك الجماليات التي كنا في حينها نشعر بالملل منها نتيجة الروتين، وإذ بنا الآن نشتاق لها جدا، بعد أن سرقتنا  معطيات الحياة الحديثة من أنفسنا ، فحديثاً ، خرجت المرأة للعمل خارج البيت مما ترك أثراً سلبياً في غالب الأحيان على طبيعة دورها  حيث أثقل كالها بالعمل داخل وخارج البيت، وتقدمت البرامج فاختلفت الاهواء والامزجة، وود كل واحد من افراد الاسرة أن يكون له غرفة خاصة به وتلفاز يشاهد برامجه المفضلة التي في غالب الاحيان تختلف عن رغبات الاخرين، وغاب الاجتماع الكامل لأفراد الاسرة ، بسبب انتقال كل واحد منهم لبيت آخر، أو بسبب السفر أو العمل، وحين يجتمعون يكون كل واحد منهم منشغل في عالمه الخاص من خلال هاتفه الذكي ومواقع التواصل الاجتماعي مع اصدقاءه ومعارفه، وباتت الارتباطات الخارجية أكثر وأهم من الحياة الاسرية، مع بروز نموذج من الترابطات متمثلة في الاحزاب والمؤسسات والنوادي.

أمام الصورة القادمة من زمنٍ جميلٍ وصولاً إلى زمنٍ وصل فيه الجمال إلى حدودٍ دنيا، فإن الخوف يسكن نفوس الخبراء والبسطاء مما قد تصل له حالة الاسرة في المستقبل، ويتساءلون هل تملك الاسرة مقومات الصمود أمام العواصف القادمة من الشرق والغرب والتي قد تصل إلى البنية التحتية للأسرة في عالم تتسارع فيه رياح التغيير؟

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق