صفحة من صحيفة العمر [١]

سلاما

سلاما

بتاريخ نشرت
أحنّ إلى العزلة، أفتقدها كثيرًا، إني في الحقيقة أفتقد نفسي التي تاهت في زحام الأيام وتكاليف الحياة. أتذَكّرني وأنا صبي أدرج توًّا في غمار الحياة معتزلا في الدار لا خروج سوى للمدرسة والتحفيظ، منكبا على كتب لملمتها من حاوية الجار. لم أكن أفقهها، بيد أنّ شغفًا تولّد في رُوعي أن أطالع هذه الصحائف المرتكمة فطفقت أحثوها كمن ظفر بكنز لا يدري به سواه.
أطفحتُ عزلتي بالقراءة، وجدتُ فيها العالم أوسع من المُشاهَد، وبالإمكان سكنى الكون الرحيب عوضا عن بقعة صغيرة مثل الأرض.
كنت أنتهز الإجازة في ارتياد المكتبة العامة (مكتبة الحرم الشريف) ومع أنها لم تكن بالقرب الذي يحفّز صبيًّا بالمضيّ لكني كنت أغذ السير إليها مسرورا متلهفا، وربما تحققت لي زورة أخرى ذات اليوم إن لم يشبع نهمي المتوقّد.
كنت في الحقيقة في العزلة، وفي الحقيقة كذلك لم أكن فيها، لا عزلة مع الكتب، الكتاب تواصل وانفتاح ورؤى لا يمكن لمجرد الحس إدراكها. وحين آثرت الكتب عشتُ في خُلطة مع الحياة، وأنا الآن في عزلة مريرة حين عاشرتُ الناس.

التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق