طويلة نوعا ما, من سيرغب في قراءة صفحة روائية طويلة كهذه على اية حال xD

silly pen

silly pen

بتاريخ نشرت

راشد
 في طفولتي , لم اعش في بيت والدتي ,حرمت من رؤيتها منذ ان كنت في الخامسة من عمري ,ذلك لأن والدي كان يعنفها مرارا , ولم يترك لها مجالا سوى ان يفترقا بعد صراع دام عدة سنوات, والدتي لم تكن من النوع المستقل ماديا , ولم تكن جيدة بما فيه الكفاية لتبدا حياتها بمفردها ,كانت ببساطة من أصحاب الطبقة الفقيرة التي لم تسلم من الظلم في بيتها منذ نعومة اظافرها على يد والدها , ولم تجد سبيلا لعيش حياة سوية سوى الزواج بأول من يطرق بابها , لكنها لم تفلح في ذلك أيضا ,لذلك, انتقلت بعد طلاقها من والدي للعيش مع خالتي, التي نجت من الاستعباد بطريقة عجيبة,ذلك لأن جدي أرسلها للعيش مع أخته -التي هي عمة والدتي- نظرا لظروف معيشتهم الصعبة, وهناك, لاقت خالتي معاملة مختلفة تماما عن نظريتها التي كانت تعامل بها والدتي , ألحقت بالمدرسة تلو الثانوية لتو الجامعة وحظيت بالتعليم العالي نظرا لتوفقها الدراسي , وعملت وتزوجت رجلا محترما لكن الحياة لا تعطي كل شيء دفعة واحدة, لتكتشف فيما بعد انها عقيمة, تحطمت عمتي ,كذلك زوجها, لكن ذلك لم يعق حياتهما الزوجية, بل زادهم ذلك مثابرة وأملا في تحقيق عدة انجازات ثانوية كانت مختفية في الأفق لان انجاز -انجاب الاطفال- كان متموضعا صوب اعينهما ,لكنه سرعان ما تلاشى.
 اما عني أنا , فكنت اعيش مع والدي ,الذي لم يسلم حتى هو من الفقر المدقع , وظننت أن فراقه بأمي,سيزيده عزما واصرارا لاسترجاعها, والعمل على تحسين اوضاعنا,الا ان ذلك لم يحدث اطلاقا, وبقيت انا...العقدة الوحيدة التي كانت تربط مكر والدي,بأمي المحطمة, فلقد كان يهددها مرارا عن طريقي, عن طريق ايذائي ,ولا أعرف لماذا لم تتقدم عمتي في التبليغ عنه, ام ان امي بدورها لم تخبرها بذلك, ولا أعرف من اين كانت تحضر المال الذي كان يطلبها والدي منها, في كل مرة يخبرها عن طريق رسائله انني أحتاج الى رعاية صحية عاجلة, او انني بحاجة للاتحاق بالمدرسة.
وقد كانت تظن ان المال الذي ارسلته لوالدي قد أنفق في سبيل عيشي لحياة كريمة, لكن  والدي استخدمه في القمار, او انفقه في شرب الخمر...وقل ما كان يتذكرني فيشتري لي شيئا لآكله -على الاقل- كل يومين. مرت السنين والحقت بمدرسة متدنية المستوى, في شارع فقير للغاية, كانت الطريق من منزلي للمدرسة تثير احباطي كل يوم , ذلك لان الطريق متعرجة مليئة بالوحل والفئران ..مقزز جدا, كما ان حذائي الذي رافقني طيلة دربي في المدرسة الابتدائية, كان كريما جدا باستضافته للوحل داخله, وبالتالي,تجمد اطرافي كل مرة.
 لم تكن معلمتي لطيفة في معاملتنا ..أو بالاحرى, معاملتي لي انا, فقد كانت عصببية المزاج, مجنونة في كلامها عن ظروف معيشتها مع زوجها واولادها الخمسة , وأي خطأ,صغيرا كان او عن دون قصد, كنت أعاقب بالبقاء في المرحاض طيلة الصباح, كما ان قصصها المخيفة التي كانت تحكيها لي عن تواجدي بالمرحاض,زادت من اضطراب حالتي النفسية, ولم يعر والدي اي اهتمام بما اخبرته حينها, عن معاناة الطريق, او مرحاض الاشباح, او عن كلب جارنا "هوبي" الذي ينبح في وجهي تارة, وتارة اخرى يلاحقني ليقتص مني لسبب مجهول لا أعرفه, ولا يهتم لسخرية الاطفال من ملابسي الرثة, رغم اننا جميعا نرتاد مدرسة للفقراء, لكن اتضح لي ان الفقراء يشمتون الفقراء من طبقتهم ايضا!, وان لمحت ولو لبرهة عن اشتياقي لأمي, قام وعنفني حتى يسيل الدم من اجزاء جسمي, أتذكر مرة عندما عبرت له عن اشتياقي لطبخ أمي, فما كان له سوى ان يمسك بعمود الستارة, ويبرحني به ضربا نمت عليه من فرط أذيته لي ليلة رهيبة على بلاط المطبخ البارد.
 سأكذب عليك ان اخبرتك انني كنت سعيدا بحياتي هذه, كنت أنام طيلة الوقت, كما ان نتائجي كانت سيئة للغاية, ذلك ما جعل معلمتي تشمت بي ايضا, الشيء الوحيد الذي حافظت عليه رغم الظروف, هو نظافتي الشخصية, ولولا البحيرية الصغيرة الموجود بالقرب من منزلنا, لكنت أقذر انسان على وجه الكرة الارضية -تماما مثل والدي-, والشيء الثاني هو كتاباتي, رغم تدني علاماتي , الا ان كتاباتي كانت جيدة جدا, كنت اكتب عن كل شيء يخطر ببالي, او يمر امامي, وطبعا لم اكن أعرض هذه الكتابات لأحد , بل كنت أحتفظ بها لنفسي, واقيم مستواها بنفسي ايضا.
 ذات يوم وانا عائد من المدرسة, وجدت والدي على غير عادته ينتظرني عند باب المنزل, لم يكن ينتظرني ليرى حالتي التي يرثى لها, ولا ليطمئن على حالتي النفسية التي كانت سيئة بدورها ايضا, بل ليضربني, لأنه وجد تحت وسادتي ليلة أمس كتاباتي التي كانت معظمها عن حالتي اليائسة, او عن اشتياقي لامي , التي لولا ارسالها للنقود وسؤالها المستمر علي برسائلها التي يرميها والدي كل يوم ظانا منه اني لا أقرأها, لكرهتها هي الأخرى. عنفني على مرءا من الناس, عنفني بجنون وألقى شتائمه بأنواعها على طفله الذي لم يبلغ من العمر تسع سنوات بعد, كما وانه ركلني وبزق علي بلعابه الذي لفحتني رائحة الكحول الموجودة فيه, وقال بصوت مسموع ...ربما هاذا كان السبب الوحيد الذي جعلني احقد عليه
 -لم أرد ولدا قط , ليتها لم تترك عندي ايها الصعلوق لا اريدك!
 تدخل بعض من الجيران فيما بيننا, وأخذني أحدهم الى منزله, بينما هدئ نفر منهم روع والدي, والآخر هدده بالاتصال بالشرطة.
مكثت في بيت جارنا "حسان" بضعة ايام, يسألني تارة عن ما حدث ,...فضولا منه لا أكثر , لتتدخل زوجته كل مرة وتسكته متحججة انني في حالة يرثى لها وانني بحاجة للراحة بعيدا عن جنون والدي وتسلطه.
كان طعامها دافئا مثل طعام امي, غير ان طعام امي الذ منه بمائة مرة, تبولت على سريري عدة مرات ,لكنها لم تقم بلفح جلدي بالنار كما فعل والدي من قبل, بل اكتفت بتقبيل جبيني والقول "لا بد انك تعيش كوابيس مريعة ,فلقد كنت مثلك في صغري",وتقوم بعد ذلك وتغسله.
 حنانها جعلني اشعر بسعادة مطلقة لم اعهد مثله من قبل, طبعا حنان امي لا يعد بالحسبان لان أمي كانت حنونة جدا معي, كما وان لها ولدا اسمه "يزيد" اصبحنا فيما بعد اصدقاء , او هاذا ما اوهمت نفسي به, لانه يفوقني في العمر بمراحل , له ستة عشرة عاما, ساعدني كثيرا في تخطي خوفي من المرحاض, جعلني اشعر براحة كبيرة جدا, كما انه يحب الكتابة ايضا, اكتشفت ذلك اول مرة عندما رأيته فوق الشجرة الموجودة في فناء منزله الخلفي, يكتب بشغف , عيناه هي اللتان اخبرتاني بذلك, فتقدمت اسئله عن سبب كتابته لشخص ما, ليتفاجئ بمعرفتي لذلك.
-كيف عرفت انني أكتب عن شخص ما؟
 -هاذا لانني أكتب بنفس الطريقة عندما اكون اعبر عن والدتي!.
 نهض يزيد عن قعدته المنحنية تلك, وقام يغلق كراسته البالية ايضا, ثم بدأ ينزل من الأعلى رويدا رويدا حتى لامست رجلاه سطح الأرض ثم مد يده ليحك رأسي و قال
-لا بد انك كاتب شغوف يا ايها الفتى الريفي,اخبرنا عما تكتبه
 الا ان ذلك السؤال جعل عيناي تترقرقان ,لان كتاباتي مزقت امام عيناي من قبل والدي,فطن يزيد بسرعة عندما رأى عيناي تلمعان من الدموع, وما لبثت حتى بدأت البكاء كطفل ,لم اعتد البكاء امام احد..., فوالدي كان ليضربني, ومعلمتي ماكانت لتتردد لحظة في ارجاعي لمرحاض الاشباح, وزملائي في المدرسة كانوا ليسخروا مني حتى مماتي.
ضمني يزيد الى حضنه وسألني

- ما هو اسمك يا صديقي؟

فقلت له وانا اشهق,والدموع تنهمر بغزارة على خدي

-ا...اسمي هو راشد

-راشد؟ ما رايك في عرض مهاراتك الروائية يا ترى؟
روائية؟ لم تزر هذه الكلمة سمعي من قبل, كانت اول مرة اسمع فيها كلمة روائي, لكنني التزمت الصمت على سؤاله, لم ارد ان ابدو بمظهر الجاهل, لاسيما بعدما ادهشته بمعرفتي لكتابته, لكن يزيد تفطن لذلك فأعاد صياغة السؤال بطريقة ابسط مراع لغبائي الطفولي
-راشد! هل تكتب قصصا؟ لا بد انك بارع في كتابة القصص.
 ومن هنا, بدأ شغفي في كتابة القصص -الروايات البائسة التي يمدحها ريان في كل مرة أعرضها له-.


التعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول لتتمكن من إضافة تعليق